لبنان في اتفاق إيران والولايات المتحدة… تكتيك نتنياهو لخلخلة المعادلة

الزمن كفيل بكشف النتائج الكاملة لاتفاقية التفاهم بين إيران وأمريكا. ولا تزال القضية الأساسية هي سير المفاوضات التي تستمر ستين يوماً بهدف التوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي. ومع ذلك، في التقييم الأولي لما جرى، لم يحصل ترامب على أكثر من إعادة فتح مضيق هرمز.
كانت مطالبه قبل الحرب تشمل إسقاط النظام في إيران، وإزالة اليورانيوم المخصّب بنسبة عالية، ووقف كامل لبرنامج تخصيب اليورانيوم السلمي داخل إيران، وتفكيك برنامج الصواريخ الإيراني. لكن في الاتفاق الأولي، لم يتحقق أي من هذه المطالب، بل إن الولايات المتحدة تعهدت صراحةً، في إطار نزع فتيل الصراع على جميع الجبهات، بمنع استمرار اعتداءات الكيان الصهيوني على لبنان، وهو ما يُنظر إليه من قبل الخبراء كنوع من التصديق الأمريكي على النفوذ الإقليمي لطهران.
وهذه أزمة كبرى للكيان الصهيوني، الذي يخوض معركةً وجوديةً لإحداث تغييرات جذرية في النظام الأمني الإقليمي بعد 7 أكتوبر (طوفان الأقصى) وفرض إرادته على المنطقة، لكنه يجد نفسه الآن الخاسر الأكبر في المعادلات، ويُعتبر نتنياهو في هذا النظام الخاسر الرئيسي المزدوج للاتفاق.
لذا، تدور القضية الآن حول حسابين متضادين بين ترامب ونتنياهو؛ الأول يرغب في إنهاء الحرب ليضمن فرصه في الانتخابات النصفية، والثاني يريد استمرار الحرب ليضمن بقاءه على كرسي رئاسة الوزراء.
حسابات نتنياهو
يواجه نتنياهو حسابات معقدة للغاية، خاصةً في ظل اقتراب موعد الانتخابات، إذ إن توقف الحرب بشكل كامل لا يصبّ في صالحه على الإطلاق. فهو يعتبر اتفاق إيران والولايات المتحدة مقدمةً لهزيمة حتمية في الانتخابات المقبلة.
فإذا اضطر الجيش الصهيوني إلى وقف الحرب والانسحاب من لبنان، فإن ذلك يعني أن إيران نجحت في ربط ملف لبنان تماماً بها، وسيُعتبر حزب الله في الداخل اللبناني هو المنتصر في الحرب. وفي حين تسعى الولايات المتحدة عبر متابعة مسار المفاوضات في واشنطن بين ممثلي بيروت وتل أبيب، إلى دفع المسار السياسي لتجريد حزب الله من السلاح، فإن توقف الحرب يتعارض مع هذا الهدف، إذ يؤدي إلى إضعاف موقف الحكومة اللبنانية، وفي المقابل يعزّز مكانة وإنجازات المقاومة في معادلات الداخل اللبناني. وهذا بدوره يمهّد الطريق لحزب الله، بدعم من الرأي العام، للضغط على حكومة التسوية التي يقودها جوزيف عون ونواف سلام للخروج من مسار المفاوضات المباشرة المهينة مع الكيان، التي تهدف إلى ترك لبنان بلا دفاع أمام العدو.
سيجادل حزب الله بأن جميع خيارات الحكومة كانت عقيمةً، وأن سلاح المقاومة ودعم محور المقاومة هما اللذان ضمنا وحدة الأراضي وسيادة لبنان في مواجهة الاحتلال الصهيوني. وهذا يعني أن لبنان سيظل تحت مظلتين داعمتين لحماية وحدته الترابية وضمان خروج “إسرائيل”، إلى جانب إعادة إعمار البلاد وعودة اللاجئين إلى أراضيهم: الأولى، المظلة الداخلية المتمثلة في سلاح المقاومة، والثانية، المظلة الإقليمية التي تتمثل في دعم الجمهورية الإسلامية، والتي قد تستمر في إطار إعادة تشكيل النظام الأمني الإقليمي، بالتعاون والتفاعل البنّاء مع أطراف إقليمية أخرى مثل السعودية وباكستان ومصر.
الامتناع عن وقف إطلاق النار عبر توم باراك كأداة سياسية
على هذا الأساس، يُصر نتنياهو بكل الوسائل على استمرار العمليات العسكرية داخل الأراضي اللبنانية، وربما يربط مسألة الانسحاب من جنوب لبنان بتجريد حزب الله من السلاح، حرصاً على تجنب تصعيد المواجهة مع ترامب. فهو بالتأكيد لا يرغب في أن يتم أي انسحاب من لبنان بموجب شروط اتفاق إيران والولايات المتحدة، ويسعى إلى ربط هذه الخطوة بإتمام المفاوضات مع الحكومة اللبنانية وفرض شروط مشتركة مع أمريكا بشأن نزع سلاح حزب الله وانسحاب مقاتليه من جنوب نهر الليطاني.
في هذا المسار، يحاول نتنياهو أن يظهر نفسه ليس في مواجهة سياسة الولايات المتحدة في لبنان والمنطقة، بل متوافقاً معها. إن نهج توم باراك في تقديم استراتيجية سياسية جديدة تربط رؤيته للوضع اللبناني برؤية أوسع للمنطقة، من تركيا إلى سوريا والعراق، هو بالضبط ما يعتنقه نتنياهو. وترتكز هذه الاستراتيجية في لبنان على حثّ حزب الله على قبول نزع السلاح مقابل الحفاظ على وجوده وقبول دوره السياسي من قبل واشنطن. ويسعى باراك إلى الترويج لتحول في السياسة الأمريكية السابقة تجاه التطورات اللبنانية، التي كانت تقوم على تفكيك حزب الله وجميع مؤسساته السياسية والاجتماعية والمالية، وهو تحول يتناسب مع تغير ميزان القوى الإقليمي نتيجة الاتفاق بين أمريكا وإيران.
ومع ذلك، وبصرف النظر عن نتيجة هذه السياسة العبثية – إذ من المؤكد أن حزب الله لن يقبلها – فإنها ستكون مساراً طويلاً ومُرهقاً يخدم مصلحة نتنياهو، لأنه يمنع تحقيق أحد الشروط الأساسية لإيران في الاتفاق الأولي مع الولايات المتحدة.
وفي الختام، تشير كل الدلائل إلى أن نتنياهو مصمم على مواصلة العمليات العسكرية والوصول إلى نهر الزهراني، أو على الأقل إلى منطقتي النبطية وصور. وفي هذا السياق، يعترف المحللون الداخليون في الکيان بأنه حتى لو أجبر ترامب نتنياهو على تخفيف التوتر ووقف هجماته على لبنان إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي مع إيران، فمن المرجح أن يعاود نتنياهو تدريجياً استئناف العمليات بعد ذلك.
المصدر/ الوقت
طباعة الخبر
ارسال الخبر الى صديق



