التحديث الاخير بتاريخ|الثلاثاء, يونيو 25, 2024

زيارة الأربعين حركة متسارعة نحو ظهور الإمام الحجة (عليه السلام) 

كتب الدکتور سعد الله زارعي في مقال: تحوّل هذه المسيرة من “مفهوم تاريخي طويل” – أي عاشوراء – إلى “قضية اليوم” من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإنها تذكر العالم بمفهوم مثالي متعالٍ – وهو الظهور(ظهور الإمام الحجة (عليه السلام)، والخط الفاصل بين عاشوراء والظهور هو “الحركة”، والأربعين تظهر هذه الحركة على أكمل وأجمل وجه.

ولهذا السبب، تم تحديد “الأربعين” لعاشوراء وعاشوراء فقط، وهذا ليس اختراعاً سياسياً يتعلق بهذا العصر، إذ جرت زيارة الأربعين الأولى في التاريخ في العشرين من صفر سنة 61 للهجرة، من قبل اثنين من صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبتعليمات أهل بيت النبي (عليهم السلام)، وبعد ذلك، كان التاريخ دائمًا مليئًا بالصعود والهبوط، وكان يُضاف باستمرار إلى دائرة المعاني التي أنتجتها الأربعينية، وإلى دائرة الزوار الذين انطلقوا في هذا الطريق.

وزيارة الأربعين هي النهر الدافئ لارتباط عاشوراء بالظهور، وفي نصها مفهوما البعث والغدير، والحقيقة أنه من المقدر أن تُعرف الحقيقة باسم “الحسين”، ونرى أنه لا يوجد اسم يملأ قلب الإنسان وبصره مثل هذا الاسم.

الحسين سر الخلق، والأربعين اكتشاف أسرار عاشوراء، وتريد الأربعين أن تقول إن الأسرار ستكشف بين عاشوراء والظهور، حتى يصل الإنسان إلى الكمال الذي يليق بـ “الحضور”.

من هو الشخص والمجتمع الإنساني الذي يستحق أن يكون حاضراً؟ أولئك الذين هم على استعداد للتضحية بحياتهم، من أجل ماذا؟ للدفاع عن النفس؟ کلا، لإنقاذ عباد الله من الجهل والتيه.

في أي ظروف؟ في موقف حيث “الجميع” قد وحّدوا قواهم ضدهم. من هم كل هؤلاء؟ الذين اغرتهم الدنيا بحيث باعوا أغلی ما لديهم بأبخس البضائع وأرخص الأسعار وأفسدوا آخرتهم، أولئك الذين عوضاً عن اتباع إمام الحق، اتبعوا “أهل الشقاق” و”النفاق”، والذين لا يتورعون عن ارتکاب کل کبيرة(ترجمة الفقرة الثانية من زيارة الأربعين).

هذا الخط الفارق، هو الأربعون، والأربعون صرخة عالية تقول إن “الحادثة” لم تنته، يا من لم تحضروا يوم عاشوراء، ولم يكن غيابكم لعدم رغبتكم، لم تحضروا فلا بأس، فالوضع الآن هو نفسه. يجب على الحسينيين أن ينطلقوا ويصلوا إلى الميعاد، ويظهروا أنهم يضحون بحياتهم وينطلقون حتى لا يتيه عباد الله في جهل اليزيديين.

ألا ترون حاملي الرماح والسيوف والسحرة والمفترين يصولون في الساحات، ويعتدون على أهل الحق ويثيرون الفتنة كل يوم؟ ألا ترون كيف في هذا العالم يشهر المتآمرون سيفهم على “علي الأصغر”، ويصفعون “الرقية” ويبررون أفعالهم بآلاف الحيل؟

لا تختلف أربعون عام 61 مع أربعين عام 1445 عن بعضهما البعض من حيث المواجهة، إلا أن أهل الدنيا مزودون بأدوات أكثر، وأهل الدين يواجهون جبهةً أكثر كثافةً من المنافقين والمشركين والكفار.

عندما نادی الحسين(عليه السلام) في ذلك اليوم “هَلْ مِنْ ذابٍّ یَذُبُّ عَنْ حَرَمِ رَسُولِ اللّهِ؟”، لم ينظر إلى الشاميين والكوفيين في حرب عاشوراء الذين باعوا دينهم، لأنهم كانوا ناهبي حرم رسول الله، بدلاً من أن يكونوا مدافعين عن حرمه.

ولذلك، فإن هذه الدعوة كانت عبر الزمان والمكان، وبالتالي فإن من لم يكن هناك ويتمنى أن يكون، هم موضع خطاب هذه الكلمة الدامية، وكم استجابوا لهذه الدعوة عبر التاريخ، منذ عاشوراء حتى الآن.

وكم ارتوی التاريخ بدماء من رأوا أنفسهم مخاطبي تلك الدعوة وقدموا الدم وجراح الكبد، وتناقلوا هذه الدعوة من يد إلى يد ومن جيل إلى جيل، وما زالوا يسيرون ويلبون النداء وإذا لزم الأمر يجازفون بحياتهم، ألم يفعلوا؟

حيث سارع “المدافعون عن الحرم” فوراً عندما سقطت لبنة من مرقد الإمامين الهادي والعسكري عليهما السلام، ودمروا المرتزقة المأجورين، وهم أنفسهم بعد سماع صوت رصاصة واحدة في محيط زينبية دمشق، ربطوا علی رؤوسهم شعار “كلنا عباسك يا زينب” وقدموا حياتهم فداءً لعتبة بابها.

لو لم يكونوا ملبّي ذلك النداء الأحمر الدامي، فبأي نداء اندفعوا من جبال أفغانستان، وسهول باكستان، ومدن إيران، وصحاري العراق، وواحات لبنان، ومدن سوريا نحو الشام، واحتضنوا المقدسات ودمروا المرتزقة المتعطشين للدماء المدعومين من الجيوش الغربية والعربية والتركية؟

ومن هذا المنظور، فإن الأربعينية ليست مجرد تذكير؛ إنها ليست مجرد موكب حداد، بل إنها موجة من الحضارة، وعلى الرغم من أن المتدينين والدنيويين يقفون على جانبي المعركة، إلا أن الدين والدنيا قد اجتمعا معًا، وفي الأربعين، يهرع المؤمنون لبناء عالم آخر؛ عالم يستحق أن يكون حاضراً.

يجب أن يتحرر العالم من أيدي الدنيويين، وأن يجد معنى دينيًا كاملاً، ولهذا السبب، فإن كل حاجة دنيوية لها رمز ديني في زيارة الأربعين، فالأكل في الدنيا ليس له لون الأعمال المعتادة؛ بل هو عمل روحاني تصفه سورة الصف بـ “وَأُخْرَی تُحِبُّونَهَا”، وفي هذا السوق، الراحة والجلوس في الظل ليس من أجل الاسترخاء، ولكن هي قليل من التريث من أجل حركة أسرع وأكثر نشاطًا، وفي هذا الطريق جروح وبثور، ولكن في كل خطوة هناك خدام ينتظرون خدمة الزوار وعلاج آلامهم.

لقد جاءت الأربعين، فخلطت الألوان، ووحّدت اللغات، ومزجت اللهجات، أصبح الجميع على نفس اللون واللغة واللهجة، وهو “الحسين”، الجميع هنا معروف باسم “الحسين”، ولذلك، فإن الأربعين هي أعظم تجمع للبشرية.

صحيح أنه لا يسمع فيها قعقعة السيوف، ليس هناك جبهتان، بل هناك جبهة واحدة، وهذه الجبهة هي جبهة الحسين “لِیَسْتَنْقِذَ عِبَادَکَ مِنَ الْجَهَالَةِ وَ حَیْرَةِ الضَّلالَةِ”؛ وهذا هو خط الظهور، ففي وقت ظهور الجبهة، تكون جبهة الحق بحيث لا يظهر الباطل ولا يبقى على الساحة.

فهل تکون مسيرة الأربعين شيئاً غير هذا؟ الحركة والسفر، بالنسبة لبعض العراقيين، تستغرق زيارة الأربعين شهرين، وهناك عدد قليل من الحجاج الذين لا يذهبون لمدة أسبوع على الأقل، حرکة الملايين من الناس دون وقوع حوادث! أليس مجتمع الأربعين هذا هو نفسه مجتمع الظهور؟ الآن في مکان واحد وغداً في جميع الأماکن؟!

وفي الوقت الذي كان فيه العراق يواجه ذئاب “داعش”، كانت الأربعين لا تزال هادئةً، وهذا يعني أن خط الأربعين هو خط واحد، بل هو کل الخطوط، فالمشهد كله مليء بالأربعين.

الأربعون هي بعد عاشوراء واستمرارها، لكن استمرار جبهة الحق، في عاشوراء كانت هناك جبهة الباطل أيضا، لكن في الأربعين لم تعد هذه الجبهة موجودةً، ولم نعد نری في هذا المشهد قساوة شمر وترتيبات ابن سعد، بل الساحة كلها مليئة بالحسين وزينب وسجاد وحبيب وزهير وقاسم وعباس وعلي الأكبر.

هذه الأربعينية تريد أن تخلق حضارة عاشوراء التي قتل الحسين من أجلها؛ ومحور هذه الحضارة هو “الإمام”، الإمام المنتظر والأربعين الذي يريد أن يملأ العالم بحضور الإمام المنتظر، وهذا هو سر حماسة الأربعين.

إن الذي اغتسل في الأربعين الأولى ونادى “حبيبي الحسين”، وألقى بنفسه على ذلك القبر الشريف وغسله بماء العين، كان مخزن أسرار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما فعله كان عنايةً وليس مبادرةً، وفي الأشعار المنسوبة لأبي عبد الله الحسين عليه السلام، يقول: “أنا الذي أجلب الدمع إلى عيونکم والحرقة إلى صدوركم”، وقال: “أنا قتيل العبرات”.

الأربعون هو ارتباط عزيمة الحسين بهدف الحسين، والهدف الذي لم يتحقق في كربلاء، الأربعون يحقق ذلك الهدف، واللافت أن العزم من الإمام وتحقيق الهدف من الأمة، ولذلك، الأربعون هي الأربعين، ولم يُكتب في التاريخ قط أن إمامًا قاد مسيرة الأربعين.

زيارة الأربعين تقود الأمة إلى الإمام، ومبدأ حركة الأربعين هو الإمام الشهيد ووجهتها الإمام الذي سيظهر، والأربعين هي ساحة الأمة، وفي هذا الطريق، الحركة العامة ضرورية، ويجب على غير المستعدين أيضًا أن يتحركوا للاستعداد أثناء التحرك.

ولم يُكلَّف أي نبي بالتدريب الجماعي قبل الرسالة، والتدريب يكون بعد البعثة وليس قبلها، وبالطبع فإن الذين تدربوا هم أكثر تقبلاً للرسالة، وهکذا هي الحال بالنسبة للظهور، يجب أن نتحرك في أجواء الأربعين التي أوصلت العالم إلى الدين وأزالت المسافة.
المضدر/ الوقت

طباعة الخبر طباعة الخبر ارسال الخبر الى صديق ارسال الخبر الى صديق

اضافة تعليق