التحديث الاخير بتاريخ|الإثنين, أغسطس 15, 2022

المعركة المنسية… اليوم الذي دمر فيه مخيم جنين 

قبل عشرين عاماً، بين 3 و 17 نيسان 2002، دمرت القوات العسكرية التابعة للکيان الصهيوني مخيم جنين للاجئين، ما أدی إلی استشهاد أكثر من 50 فلسطينياً وتشريد 13 ألف منهم.

في نهاية آذار 2002، عندما بلغت الانتفاضة الثانية ذروتها، شن الجيش الإسرائيلي عملية “الدرع الواقي” ضد مدن وقرى الضفة الغربية.

كانت هذه العملية أكبر عملية عسكرية في هذه الأراضي منذ عام 1967، حيث هاجم الجيش الصهيوني رام الله وطولكرم وقلقيلية ونابلس وبيت لحم وجنين.

يقال إن هذه العملية كانت رداً مباشراً على تفجير فندق بارك في مدينة نتانيا، والذي خلَّف 30 قتيلا. وكان الهدف من عملية الدرع الواقي، إعادة سيطرة الصهاينة على المراكز السكانية المهمة في الضفة الغربية.

في الفترة من 3 إلى 17 نيسان/أبريل 2002، داهم الجيش الإسرائيلي، بأمر من رئيس الوزراء آنذاك أرييل شارون، مخيم جنين للاجئين للعثور على المسؤول عن هذا التفجير الاستشهادي. وفي الواقع، كان تدمير هذا المخيم والهجوم على مدن أخرى والذي استمر أسبوعين على الأقل، بمثابة عقاب جماعي لفعل فردي.

قامت قوات الكيان الصهيوني المكونة من 150 دبابة وناقلة جند وطائرات عمودية مقاتلة ومقاتلات إف 16 وكتيبتين مشاة وفرق كوماندوز و 12 جرافات مدرعة، بتدمير هذا المعسكر في معركة شرسة.

في هذه المعركة استشهد 52 فلسطينياً وقتل 23 جنديًا صهيونيًا. وحسب منظمة مراقبة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، كان 22 من بين 52 شهيدًا فلسطينيًا من المدنيين.

وجاء في تقرير منظمة العفو الدولية عن هذه المجزرة: “خلال هذه الحرب، شهد السكان الفلسطينيون والصحفيون الفلسطينيون والأجانب وغيرهم ممن كانوا خارج المخيم، إطلاق مئات الصواريخ على منازل هذا المخيم من طائرات الهليكوبتر الحربية التي كانت تقصف باستمرار. إن مشهد إطلاق النار باتجاه مخيم جنين للاجئين جعل شهود العيان على هذه الضربات، بمن فيهم خبراء عسكريون ووسائل إعلام، يعتقدون أن عددًا كبيرًا من الفلسطينيين قد قُتلوا. وكان الحصار المشدد حول مخيم النازحين والمستشفى الرئيسي في الفترة من 4 إلى 17 أبريل، يعني أن العالم الخارجي لم تكن لديه أي وسيلة لمعرفة ما يجري داخل المخيم.”

في هذا التقرير، وثقت منظمة العفو الدولية أيضًا حالات أخرى، وهي: “قتل الفلسطينيين واستخدامهم كدروع بشرية والتعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة للمعتقلين، عدم الوصول إلى الغذاء والماء، إعاقة وصول المساعدات الطبية والإنسانية، وتدمير واسع النطاق للممتلكات والبنية التحتية المدنية.”

جينيفر لوينشتاين، الأستاذة الجامعية والناشطة السياسية والصحفية الأمريكية المستقلة، تقول حول ما جری في تلك المعرکة: كنت أعيش وأعمل في غزة في ربيع عام 2002، ولم يُسمح للفلسطينيين في قطاع غزة بالسفر إلى الضفة الغربية. لذلك، أرسلني مركز ميزان لحقوق الإنسان(حيث كنت أعمل) لتقديم تقرير عن مخيم جنين للاجئين. وصلت إلى هذا المخيم في 18 أبريل، وما أكتبه هو تقرير عما رأيته والصور التي التقطتها.

في البداية، لم أكن أعرف ما إذا كنت قد وجدت الوجهة الصحيحة أم لا. كان أمامي أنقاض بيت مهدم. أتذكر أنني سألت رجلاً عجوزًا عن مكان مخيم اللاجئين. نظر إلي وأشار بيده إلى الأنقاض وقال: “المخيم!”

عندها أدركت كم كان تدمير المخيم كارثيًا. كنت أتجول من كومة من الحطام إلى كومة أخرى، وفي كثير من الأحيان لم أفهم حتى ما كنت أراه. كانت الأرض موحلةً، وكان الناس، بمن فيهم النساء والأطفال، يحاولون إنقاذ الممتلكات وإخلاء المسارات حول المباني المنهارة، لمساعدة فرق الطوارئ الطبية والعثور على الشهداء.

كانت رائحة الموت منتشرةً في المخيم. كنت قد سمعت من قبل أشخاصًا يتحدثون عن “رائحة الموت الرهيبة”، لكنني لم أختبر شيئًا مثلها أبدًا حتى ذلك الحين. وبمجرد أن اختبرت ذلك، عرفت بشكل غريزي تقريبًا کيف يکون.

في أنقاض منزل مهدَّم، رأيت حذاءً خرج من كومة التراب، فأدركت أن الحذاء متصل بالقدم والقدم بالشخص الميت! غادرت هذه المنطقة وذهبت إلى المستشفى. مررت عبر الممرات حتى وصلت إلى المدخل الخلفي. كان هناك الكثير من الاضطراب والفوضی في الخارج.

إابتعدت عن الزحام وصعدت من الرصيف المطل على المنطقة الواقعة خلف المستشفى. هناك، كان الموظفون يلفون الموتى بملاءات بيضاء، ويضعونها على الأرض تحت أشعة الشمس. کان هناك شاب غارق في الفكر أو الدعاء أو الحزن، جثا على ركبتيه أمام إحدى الجثث.

خلف هذه الجثث، تم حفر القبور على عجل حتى لا تسبب جثث الموتى المرض. وقفت سيدة عجوز وسط الصخب والفوضی وصرخت في وجه المراسلين حتى لا يلتقطوا الصور، لكنهم تجاهلوها لأن الحاجة لتسجيل ما حدث لها الأسبقية على الحفاظ على كرامة الموتى. لم أحسب عدد الجثث، لأنه في ذلك الوقت لم يخطر ببالي أنه سيكون هناك لاحقًا الكثير من الخلافات حول عدد القتلى.

على الرغم من أن منفذي هذه الكارثة لم يريدوا من أحد أن يصور ما فعلته الجرافات والأسلحة والقنابل، إلا أنني وبعض الصحفيين الأجانب رأينا آثار هذه الكارثة.

من الواضح أن المهاجمين لم يرغبوا في أن يعرف الأجانب أنه لم يتم توفير الكهرباء والماء والطعام والمعدات الطبية، وأنه لم يُسمح لأحد بالدخول أو الخروج.

لم يرغبوا في أن يعرف أحد كيف أحرق الجنود الصور العائلية، وتبوَّلوا في قدور وأواني الفلسطينين في مطابخ المنازل، ومزَّقوا لعب الأطفال، وعندما انتهى الأمر، ضحكت مجموعة منهم وأكلوا الآيس كريم.

لم تتم هناك دعوة على الإطلاق لإرسال معدات وأسلحة لمساعدة المقاومة في جنين، ولم يتم الاعتراف حتى بأن سكان هذا المخيم “يقاومون”، ووسائل الإعلام الرئيسية لم تعترف بانتهاكات حقوق الإنسان من قبل المهاجمين.

لم يسجل المراسلون الغربيون أي أصوات للرجال الذين قاتلوا من أجل أرضهم. ولم تتمكن منظمات الإغاثة والإنقاذ من إرسال أي شحنة إنسانية لمساعدة السكان المحاصرين. ولم يتم تسجيل أي لقطات لمستشفى المخيم والمصابين فيه.

لم تكن هناك لقطات للمباني التي تم قصفها، ولم يكن أحد المعلقين قادرًا على كبت دموعه أمام الكاميرا. لم تكن هناك صور لأطفال يتشبثون بأمهاتهم خوفًا. وعلى العكس من ذلك، تم التعبير عن التضامن مع الصهاينة. حيث توجهت وسائل الإعلام العالمية إلى القدس وتل أبيب، للمصافحة والتضامن مع منفذي الكارثة.

لقد نسيت معرکة جنين. يعود تاريخ هذه الحادثة إلى عشرين عاماً مضت، ومنذ ذلك الحين وقعت عمليات مروعة أكثر بكثير في غزة. لذلك، أصبح تذكر مثل هذه المآسي أمرًا ضروريًا، لأن المقاومة تبدأ بالذاكرة والتذكر.

إذا أخفقت وسائل الإعلام في واجبها المتمثل في مراقبة مراكز السلطة بسبب اتباع حكوماتها، فستكون مسؤولية المواطنين فرداً فرداً تعويض فشلها.

ونقول في الختام، يعتبر مخيم جنين للاجئين رمزًا للمعارك المنسية. إن تذكر جنين، أو أي جريمة منسية، هو شكل من أشكال المقاومة: مواجهة الماضي والإرادة لتغيير الحاضر. وهذه هي الخطوة الأولى للعمل الشعبي والأمل بالمستقبل.
المصدر/ الوقت

طباعة الخبر طباعة الخبر ارسال الخبر الى صديق ارسال الخبر الى صديق

اضافة تعليق