التحديث الاخير بتاريخ|الإثنين, يوليو 22, 2024

ماذا نريد من الانتخابات ؟ 

عبدالرضا الساعدي
لا أشكّ مطلقا ، مهما حاولتُ أن أكون متفائلا وإيجابياً ، أن الشارع منقسم بين فريقين ، أحدهم مقتنع أو مندفع للمشاركة في الإدلاء بصوته واختياره لمن يمثله في الحكومة والبرلمان أو حتى المجالس المحلية في المحافظات ، مستقبلا ، وفريق آخر محبط ويائس أو متراجع ،مسبقا ، عن المشاركة في العملية الانتخابية من ألفها إلى يائها ، والأسباب معروفة وواضحة لا لبس فيها ، إذ أن 15 عاما من التجربة المريرة وشبه الخاوية من النتائج التي كان يصبو إليها الناس عامة في هذا البلد وحلموا بها كثيرا وطويلا ، كانت كافية ربما لهذا الفريق المحبط واليائس من أن يركن إلى عزلته أو ردة فعله في الانسحاب بعيدا عمّا صار يعتقد أنها _وأعني العملية الانتخابية _ لعبة _ لعبة لا جدوى من المشاركة فيها بالنسبة لهم وخاصة ، البسطاء والفقراء والذين تبددت أصواتهم وذهبت سدى طيلة مراحل شاقة وصادمة ومخيبة ، أكلت من أعمارهم عقدا ونصف تقريبا لتضاف إلى عقود الخيبات والنكبات السابقة من العبثية واللاجدوى والضياع .. هكذا يشعر المواطن المحبط الآن ، هكذا يفكر في ذاته المنكسرة والمتذمرة والمحتجة بطرق شتى ، أهونها عدم المشاركة ربما ! .. ولكن خلاصة التقاطع في الطريقين بين الفريقين المذكورين لابد أن تؤدي بنا إلى السؤال الأهم : ماذا نريد من الانتخابات ؟ .. وهو السؤال الذي يشبه كثيرا السؤال الآتي :
لماذا الانتخابات ؟..
إن تاريخ الدولة العراقية السياسي هو خلاصة سجل من الاحتلالات والمؤامرات والانقلابات العسكرية ، بشكل عام ، حتى مرحلة عام 2003 م التي برغم من أنها بدأت باحتلال خارجي للبلد ،من قبل قوى كبرى كان لها أهداف ومخططات مغايرة لأهدافنا وتطلعاتنا ،نجحت في تحقيقها مؤقتا ،إلا أن إرادة الشعب وحكمة المرجعية الرشيدة والعقول النيرة في البلد حاولت دائما أن تأخذ بالبلد إلى سفينة النجاة ، بعد أن أُريد له أن يغرق تماما بالفوضى والخراب والإرهاب ومن ثم العودة به إلى الديكتاتورية السياسية شيئا فشيئا ، من خلال الشعور باليأس والإحباط والركون إلى اللامبالاة في تحديد مصيرنا ومستقبلنا ، بحيث تغلق أمام الناس كل نوافذ الأمل بالحاضر وما بعده ، ليعود المواطن مرغما ،متعلقا بالحنين الى الماضي الأسود المر الذي أصبح ، بسبب ما جرى من كوارث ، أخف لذعة وعتمة ، بل أصبح في نظر بعضهم زمنا حلوا كالعسل يتحسر على ضياعه !!.
فمن أوصلنا إلى هذا الحال ؟
أليس الزمن ديمقراطيا ؟
أليس الذين يحكمون ويديرون دفة البلاد ، اليوم ، قد جاءوا من خلال صناديق الانتخابات ؟
ما الذي جرى ويجري كي يصبح المواطن ناقما ومتذمرا مما حوله ، فيجعل شعوره نافرا من الديمقراطية وصناديقها الانتخابية وغير واثق ومتفائل من نتائجها القادمة ؟
أسئلة كثيرة تتفرع من السؤال الرئيس : ما الذي نريده من هذه الانتخابات ؟
الحقيقة ، أنا مستغرب جدا ، من تجاهل مثل هذا السؤال وعدم التركيز عليه وفتح باب النقاش والحوارات والدراسات البحثية من قبل المعنيين والمختصين ، بل حتى الإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني عموما .. فهل نحن نبحث عن أشخاص وكارزمات وزعماء و أصنام نعبدها ، أم نبحث عن قوانين ومشاريع وبرامج وخطط قابلة للعمل والتنفيذ ، تخلّصنا من الفوارق المادية والمعنوية الفاحشة بين السياسيين الذين في السلطة ، والموظفين أو المتقاعدين وما شابههم من المسحوقين، وكذلك تخفف عنا البطالة ، وتنقذنا أيضا من النفايات المتراكمة التي حلّت محل الحدائق والمتنزهات والساحات الترفيهية وكأنها نصب يومية ومعالم سياحية تجسد وقائع لأغنى بلد نفطي مسلم ، قد فقد ذاكرة النزاهة وذاكرة (( النظافة من الإيمان )) ، وهل نبحث عن هياكل كونكريتية ومواكب من السياسيين لنقطع بها الشوارع والممرات ،ونسد بها حتى أبواب الرجاء والأمل بالغد وبالمستقبل ، أم نبحث عن مؤسسات وتشريعات ترى النور وتكفل للأطفال حقوقهم كسائر أطفال العالم المتحضر ،وللمعاقين والمرضى ما يستحقون من الحياة والرعاية والاهتمام ، وللمبدعين بشتى مجالاتهم ، من محفزات ودعم وتقدير..
وهل سنبقى بلدا مستهلكا وبامتياز ، أم سنكون منتجين في الزراعة والصناعة ، كأي بلد يملك كل المقومات ويحتاج من ينهض بها من ركودها .
هل نريد من الانتخابات أن تعود ذات الوجوه ، أم أن ((المجرّب لا يجرّب )) كما تنصحنا مرجعيتنا الشريفة ، وهل نريد من صناديقها أن تحدث تغييرا حقيقيا ، فنرى أحلامنا قد تحققت أم سنفتحها مرة أخرى لنجد أن الكوابيس ما تزال تعشش فيها ..
وخلاصة الكلام هو أن ما نريده من الانتخابات يبدأ من أنفسنا نحن ، نحن الناخبين ، القادمين بقوة التغيير والاندفاع الواعي والوطني نحو الاختيار الحر النزيه ، والمؤمنين بوطن خالٍ من الفاسدين والأدعياء المنتفعين على حسابه ، نحن الحالمين بوطن معافى وقد تخلص من كل طفيليات السياسة التي تعتاش على دمنا الطاهر ، من دون وجه حق.

طباعة الخبر طباعة الخبر ارسال الخبر الى صديق ارسال الخبر الى صديق

اضافة تعليق