حكومة السيسي وآفاق التعامل مع الاسلاميين

كانت مصر على الدوام ملهمة للدول العربية لكن مع انقضاء فترة حكم الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر شهد هذا البلد تراجعا وجمودا غير طبيعي حوّله الى دولة محافظة في اتخاذ القرارات، ورغم ان المحللين كانوا يعتقدون بأن هذا الجمود معرض للكسر في أية لحظة كما حصل في ثورة فبراير عام ٢٠١١ لكن ما سمي بالربيع العربي لم يدم طويلا وشهدت المشاركة الشعبية في الحكم محاربة لها بعدما عاد العسكر الى الحكم في مصر.
ولم يكن انتصار عبدالفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية التي جرت بعد عام من الاطاحة بالرئيس محمد مرسي مستبعدا لأن الاحداث التي جرت بعد تنحي مرسي اثبتت بأن الجيش المصري لن يقبل ابدا بقيادة غير عسكرية للبلاد كما ان التاريخ قد اثبت بأن الجيش هو القوة السياسية المهيمنة على مصر لكن نسبة المشاركة الشعبية في الانتخابات الرئاسية تراجعت واصبحت ٤٧ بالمئة بعدما كانت ٥٢ بالمئة في الانتخابات التي أتت بمرسي الى الحكم وهذا يدل على ان الشعب المصري ليس راغبا بشكل كبير في مجيء السيسي الى الحكم رغم الاوضاع الامنية والاقتصادية المتردية التي وعد السيسي بتحسينها، ولاشك بأن هاجس المشروعية سيبقى الهامش الاكبر امام حكم السيسي والعسكر لأن الشعب المصري الذي رضخ لعقود لحكم العسكر اصبح يريد قيادة غير عسكرية.
ان تعامل حكومة السيسي القاسي مع الاخوان المسلمين واستصدار احكام الاعدام والسجن المؤبد ضد قيادات الاخوان قد دفع الاخوان الى تبني السرية في نشاطاتهم وان هذا التعامل القاسي هو الذي كان الاخوان يتبنونه ازاء الكوادر الجامعية والاساتذة الجامعيين وقد دفع هذا التعامل هؤلاء ايضا الى تبني نهج المعارضة لحكم الاخوان المسلمين الذين ارتكبوا ايضا اخطاء تاريخية مثل عدم اخراج وسائل الاعلام من سيطرة فلول النظام السابق وفي الحقيقة يمكن القول بأن الاخوان لم يدركوا بشكل جيد ما هي الاولويات كما انهم لم يعرفوا اصدقائهم من اعدائهم.
ومن جهة اخرى يعتبر التحدي الاقتصادي من اكبر التحديات التي يواجهها حكم السيسي الان بسبب أزمة الفقر والبطالة وهي ازمة يمكن القول بأنها كانت من الاسباب الرئيسية للاطاحة بحكم الاخوان ولكن تبقى هناك امكانيات يمكن للسيسي ان يستفيد منها مثل الدعم الخارجي الذي كان محرما على مرسي.
ويظهر سير الاحداث في مصر ان حكومة السيسي ستواجه الصعاب مستقبلا واذا كانت هذه الحكومة تريد الرجوع بمصر الى ما قبل سقوط حسني مبارك فهي مخطئة في استراتيجيتها لأن التطورات السياسية والاجتماعية في مصر لن ترجع الى الوراء. ان الثورات العربية كانت انتفاضة شعبية شاملة ادت الى مشاركة الشعوب في عملية اتخاذ القرارات ولايمكن بعد الان احتواء هذه القوة الشعبية لأن الاحداث التي جرت في مصر لم يكن لها اثر داخلي فقط بل انها تركت أثرا بالغا في خارج مصر ايضا.
وفيما لايمكن تجاهل مكانة الاخوان المسلمين داخل المجتمع المصري فإنه لايمكن ايضا انكار مكانة الجيش كمصدر للقوة والشرعية كما يجب القول ايضا ان استمرار السيطرة الحكومية والعسكرية على البلاد غير ممكن دون وجود دعم شعبي وان الافتقاد الى هذا الدعم سيؤدي الى عدم الاستقرار في مصر. ان التعامل والحوار بين جميع التيارات السياسية في مصر يعتبر ضرورة ولايمكن لأي طرف ان يستأثر بالسلطة في هذا البلد وبما ان الجيش والاخوان هما القوتان السياسيتان الرئيسيتان في مصر فيجب عليهما ان يتعاونا فيما بينهما واذا اختارا طريقا غير التعامل والتفاهم فان ذلك سيؤدي الى المواجهة، ولذلك يمكن القول ان التعامل بين الاثنين أو عدمه سيرسم مستقبلا مختلفا لمصر.
المصدر / الوقت
طباعة الخبر
ارسال الخبر الى صديق



