التوجه الأميركي الجديد تجاه نظام بشار الأسد

الأزمة السورية الراهنة من النواحي الاستراتيجية، هي نتاج الرؤية الامريكية إلي الشرق الأوسط، ذلك أن الحكومة السورية وحتي قبل هذه الأزمة، كانت تحدياً إقليمياً لأميركا، حيث كانت الأخيرة تسعي إلي إسقاط نظام بشار الأسد وحدوث الثورات الشعبية في بعض بلدان المنطقة وخاصة مصر، قد حيّر أميركا في بداية الأمر، ولكنها حاولت سريعاً احتواء هذه التحولات، ولكن رغم محاولاتها الحثيثة، فقد عملت الثورات العربية علي إضعاف القواعد الاستراتيجية لأميركا في المنطقة. وقد أدي ذلك بالسياسة الخارجية الامريكية إلي أن تتصرف من خلال ردود فعل، وبعبارة أخري وصلت امريكا في الشرق الأوسط إلي أدني الحد الممكن بعد سقوط الحكومات المتحالفة معها في المنطقة.
ومن القرارات التي اتخذتها امريكا لإدارة التحولات الجديدة في المنطقة، هي إضعاف موقع المعارضين الاقليميين لسياساتها، من أجل منع هذه الدول توظيف التحولات الأخيرة لصالحها، وفي هذا الإطار وضعت علي جدول أعمالها تأجيج نار الحرب الأهلية في سوريا. ومنذ بداية الأحداث في سوريا في ١٥ من آذار/مارس عام ٢٠١١، قدمت بعض الدول الاقليمية مثل السعودية وقطر وتركيا، معلومات خاطئة تماماً حول الأوضاع السياسية والاجتماعية في سوريا إلي البيت الأبيض والخارجية الأميركية والبنتاغون ووكالة المخابرات المركزية. وعلي أساس تقديرات امريكا الخاطئة التي توفرت نتيجة التقرير المشترك لرئيس الاستخبارات السعودية السابق بندر بن سلطان والسفير الأميركي السابق في سوريا روبرت فورد، كان الافتراض أن حكومة بشار الأسد سوف لن تصمد أمام الثورة الشعبية أكثر من ستة أشهر، وستسقط بعد ذلك حتماً.
لذلك أوكلت امريكا هذه المهمة إلي ثلاثية قطر والسعودية وتركيا المدمرة، كي تعمل من خلال استخدام مواردها اللوجستية والمالية، علي الإطاحة بالنظام السوري واستبداله بحكومة تابعة لها في هذا البلد.
ولكن إطالة الأزمة في سوريا ونجاح جيشها الوطني في قمع الجماعات الإرهابية، أدي إلي فشل خطة امريكا والغرب لإسقاط الحكومة السورية خلال ستة أشهر. لذلك ليس فقط أن امريكا والغرب لم يحققا أهدافهما فحسب، بل ساعدا من خلال تعزيز الجماعات الإرهابية، علي تفاقم الأزمة في سوريا ولبنان والعراق، وضاعفا أجواء الخوف الناجمة عن وجود جماعة داعش الإرهابية.
واليوم تعتزم أمريكا والغرب التعويض عن خطأهما في سوريا، ويحاولان تطويع الأزمة السورية عبر الصيغة الجديدة التي يريدانها. وبناءً على ذلك فإن اعتماد امريكا لنهج جديد تجاه سوريا لم يأت اختياراً، بل هو أمر فرض عليها، وجاء نتيجة جهود جبهة المقاومة وبعض التطورات الإقليمية. ومما لا شك فيه أن امريكا لاتريد بقاء “الأسد”، وتصريحات المسؤولين الأمريكيين بأن “أي خطة حول سوريا يجب أن تتضمن رحيل الأسد عن السلطة”، تشير إلى أن الامريكيين في نفس الوقت غير قادرين علي الرد علي هذا السؤال بأنه كيف ومتي يمكن ترحيل الأسد عن السلطة.
لقد اتجهت امريكا في المجالات الدبلوماسية نحو سياسات النفاق والخداع، فعلى سبيل المثال بينما لم تخرج استراتيجية تسليح المعارضة السورية من جدول أعمالها، تؤكد في المحافل الدولية علي إيجاد حلول دبلوماسية. وقد أعلن الأميركيون مراراً أنهم يقدمون الأسلحة للمعارضة السورية المسلحة، ولتحقيق ذلك صادق الكونغرس علي مبالغ بهذا الخصوص. ومن جانب آخر أعلنت أنها تقبل خطة جنيف ٢، وتسعي إلي وقف نزيف الدماء. ومثل هذه المواقف تشير إلي أن أميركا لا تعلم بالضبط ماذا تريد أن تفعل تجاه سوريا.
وفي الوقت الراهن تقوم السياسة الامريكية تجاه سوريا علي أمرين أساسين، وهما أولاً تشكيل تحالف دولي بهدف ضرب داعش الارهابي عبر الهجمات الجوية، وثانياً دعم ومساعدة ما يسمي بـ”المجموعات المسلحة المعتدلة” في سوريا. وفي سياق تغيير الأولوية الامريكية تجاه سوريا، باتت محاربة داعش الارهابي هي الأولوية حالياً، ويعمل التحالف الدولي علي محاربة هذا التنظيم الإرهابي في العراق أولاً ومن ثم في سوريا، دون التركيز علي إسقاط بشار الأسد. وقد بنيت هذه السياسة بحيث لا تؤدي إلي تعزيز الحكومة السورية، ولهذا السبب يتم التأكيد علي دعم وتسليح المعارضين المسلحين الذين تعتبرهم أميركا معتدلين.
هنا تحاول أميركا ضرب عدة عصافير بحجر واحد، فهي تريد توظيف المعارضة السورية المسلحة في العمليات البرية، بدلاً من الجيش الأميركي والجيش السوري، وفي الوقت نفسه تحتفظ بجانبها معارضي الحكومة السورية أو الذين يدعمون خطة الإسقاط السابقة وتقسيم القوة في سوريا، وخاصة السعودية.
من جهة أخري هنالك متابعة لخطط كتلك التي طرحها المبعوث الأممي الخاص إلي سوريا السيد دي ميستورا، وذلك في إطار الحلول الدبلوماسية، وهذا بحد ذاته يمثل تراجعاً أميركياً عن سياستها السابقة تجاه سوريا. ولذلك نظراً للتصريحات الأميركية حول سوريا، يمكن القول إن امريكا نظراً للمصالح الروسية في سوريا، وكذلك الإصرار الإيراني علي دعم وتعزيز محور المقاومة المعادي للكيان الإسرائيلي، يبدو أنها تتخلي شيئاً فشيئاً عن خيار إسقاط بشار الأسد؛ لأنها علاوة علي الحساسيات الروسية والإيرانية بهذا الخصوص، تخشي من تزايد قوة المجموعات المتطرفة في سوريا، التي تهدد المصالح الامريكية في المنطقة وخاصة وجود الكيان الإسرائيلي.
ولذلك ما يمكن قوله حول التوجه الامريكي الجديد تجاه سوريا، هو أنه في الوقت الراهن وحتي عامين أو ثلاثة أعوام القادمة علي الأقل، فإن الهجمات الجوية علي مواقع داعش، ودعم وتعزيز المجموعات المسلحة المعتدلة، ومتابعة الحلول الدبلوماسية لحل الأزمة السورية، هي أولوية السياسة الامريكية في سوريا.
طباعة الخبر
ارسال الخبر الى صديق



