التحديث الاخير بتاريخ|الأربعاء, ديسمبر 13, 2017

استفتاء كردستان بین التنفيذ والتأجيل 

ما ان تنفس العراقيون الصعداء وهم يشاهدون بريق الأمل يتصاعد بعد ان سطروا اروع الملاحم ضد خوارج العصر داعش الارهابي واذا بهم يرون انفسهم مرة اخرى على شفرة حفرة من حرب لا تقل خطورة وسوءا عن الحرب التي خرجوا بها تواً منتصرين ومرفوعي الرأس، حربٌ ستخلِّف انهاراً من الدماء ليستمر مسلسل سفك الدم العراقي.

قبل اشهر قليلة اتفقت الاطراف الكردية في شمال العراق على عزمهم اجراء استفتاء في 25 سمبتمبر من العام الحالي لتحديد مصير كردستان العراق وانفصالها عن بغداد لتكوين دولة خاصة بالقومية الكردية التي تمثل ثاني اكبر قومية في العراق بعد العرب.

اثار توقيت الاستفتاء جدلا واسعا على الصعيد الداخلي والخارجي، توقيت حرج يتزامن مع مساعي الحكومة العراقية لبدء مرحلة جديدة من التعايش السلمي والحفاظ على سيادة البلد بعد ان عاث تنظيم داعش الارهابي الخراب والدمار في جميع المدن التي حل بها واحتلها على طريقته الهمجية العمياء.

واجه الاستفتاء ردود افعال دولية ومحلية واسعة تمثلت في الصعيد الدولي برفض اجراء الاستفتاء وضرورة دعم وحدة الاراضي العراقية والاحتكام الى طاولة الحوار مع بغداد لحل المشاكل العالقة فيما تحفظت دول الاخرى على توقيت الاستفتاء واصفة اياه بغير المناسب في الوقت الراهن. اما على الصعيد المحلي فقد اعلن رئيس الوزراء العراقي عن معارضته لانفصال اقليم كردستان عن العراق وأكد على ضرورة الالتزام بالدستور العراقي الذي ينص على وحدة البلاد، كما اتفقت اغلبية القوى السياسية العراقية على رفضهم للانفصال داعين في ذات الوقت الى احترام الدستور واتخاذه كمرجعية سياسية لتحديد العلاقة بين الحكومة الاتحادية واقليم كردستان، وفي وقت سابق اعتبر النائب عن دولة القانون محمد الصهيود اجراء الاستفتاء بأنه “ورقة سياسية لتحقيق مصالح شخصية وحزبية.”

اما في داخل البيت الكردي فالخلافات والصراعات بين الاحزاب الكردية ستكون احدى العوائق الرئيسية التي ستوضع امام الاستفتاء. فكل من حركة التغيير وحزب الجماعة الاسلامية من الاطراف الكردية التي تخالف اجراء الاستفتاء في هذه الظروف، فهما يخالفان الاجراءات القانونية التي تتعلق بالاستفتاء ولم يشاركا في مؤتمرات لجنة الاستفتاء، كما اعتبروا ان هذه المؤتمرات لا تملك صبغة شرعية ولا قيمة لها لكون البرلمان الكردي كانت ابوابه مغلقة ومُعطّل عن العمل.

وعلى ضوء ذلك طالب بعض قادة الاتحاد الوطني الكردستاني والاتحاد الاسلامي باجراء هذا الاستفتاء من خلال تمريره بالبرلمان الكردستاني والطرق القانونية. ويرى مسؤولون كبار في الاتحاد الوطني الكردستاني ان اعادة تفعيل برلمان الاقليم ومداولة نشاطه سيمنح اجراء الاستفتاء قوة واسناد اكبر اضافة الى وجوب اجراء مفاوضات مع حكومة بغداد ومع دول المنطقة والعالم.

السبب الاخر الذي يضع اجراء الاستفتاء في دائرة الصعوبات هو رفض الطوائف والقوميات غير الكردية الساكنة في اقليم كردستان على الانفصال كالشبك والايزديين والتركمان والعرب والمسيحيين خاصة في المناطق المتنازع عليها، في حين يسعى مسعود بارازاني رئيس الاقليم المنتهية ولايته عن طريق سبل مختلفة كالشاشات التلفزيونة والتصريحات ونشر مقالات في صحيفة نيويورك بوست الامريكية الى تأكيد اجرائه للإستفتاء.

كل ذلك ادى الى تشكيل حملة “لا لا للإستفتاء حاليا” الذي له اهمية خاصة من عدة جهات، اولا ان تشكيل حركة داخل اقليم كردستان وحصوله على دعم من مختلف الاطراف والجهات الكردية يبين مدى وعي الرأي العام بخطورة اجراء الاستفتاء وتداعياته السلبية عليهم. وثانيا بإمكان هذه الحركة وضع حاجز يمنع الصراعات والمعارك التي قد تنشأ بين القوميات والمكونات العراقية بعد اجتثاث غدة داعش من العراق بشكل نهائي.

وفي ذات السياق انطلقت في محافظة السليمانية بالعراق حملة “لا لا للإستفتاء حاليا” بمشاركة عدد من البرلمانيين والشخصيات السياسية والاكاديمية في كردستان، وسط تأكيدات ان اجراء الاستفتاء في الوقت الحالي لا يخدم المصالح العليا لأبناء كردستان العراق.

وقال المتحدث باسم الحملة رابون معروف في مؤتمر صحفي: “ان اجراء الاستفتاء في الوقت الحالي لا يخدم المصالح العليا لأبناء كردستان” مضيفا: “ان هذا الاستفتاء ليست خطوة بإتجاه الاستقلال وتأسيس دولة جمهورية ديمقراطية عادلة، وانما يهدف الى تفكك الاهداف وضياعها”، وتابع ان “الاطراف التي تساند الاستفتاء تتألف من الاحزاب التي تدير الاقليم منذ عام 1991 والتي تعتبر اسوأ انظمة الحكم على ابناء هذا الاقليم”، مطالبا بـ”الغاء قرار الاستفتاء في 25 ايلول المقبل”، وشدد معروف على “ضرورة اجراء الاستفتاء في حال توفر آليات وظروف الاستقلال”، داعيا المواطنين الى “دعم الحملة من اجل مستقبل افضل لأجيالنا وحمايته من الكوارث”.

المعطيات والمواقف الدولية والاقليمية تشير الى صعوبة انفصال كردستان عن العراق خاصة وان الدول المجاورة لها رفضت تقسيم العراق وانقسامه، فموقف الجمهورية الاسلامية الايرانية المبدئي قائم على ضرورة حفظ وحدة الاراضي العراقية وهذا ما أكدته خلال الزيارة التي قام بها جلال الطالباني لها، وكذلك موقف تركيا رغم انها حليف البارزاني القوي لكنها رفضت الانفصال معتبرة اياه خطأ فادح لما يشكله ذلك من تهديد وخطر جدي على مصالحها وحدودها وسيادتها. فيما اعتبر البارزاني أن سبب الرفض التركي – الايراني للإستفتاء على استقلال الاقليم يعود الى وجود الكرد في بلدانهم.

قد يكون القرار الأدنى الذي سيتم اتخاذه من قبل الاطراف الكردية هو تأجيل الاستفتاء الى ان ترتسم الصورة بشكل اوضح لأن اجراء الاستفتاء في هكذا توقيت سيكون له تداعيات وتبعات خطيرة تضر بالاكراد انفسهم قبل ان تضر غيرهم.

العراقيون خاضوا منذ سقوط الطاغية الى اليوم تجربة الانقسام الاجتماعي –وحتى الطائفي- بين مكوناته واطيافه ولم يسفر ذلك عن شئ سوى الحروب والدماء والدمار مما فرش الارضية للمتآمرين على العراق والعملاء ان ينفذوا اجنداتهم الخبيثة ومخططاتهم الشريرة بسهولة وبدون مصاعب، أفلم يحن الوقت لكي يخوضوا تجربة التعايش السلمي والمصالحة الوطنية والعيش بود وسلام والحد من سفك دماءهم التي باتت رخيصة في تلك السنين، تجربة ستكون ثمارها بلا شك سَوق سفينة العراق الى بر الأمان والنهوض به كبلد قوي ذي مستقبل واعد يتمتع بقوميات وطوائف مختلفة لكنها متحدة رغم اختلافها القومي والمكوناتي.

المصدر / الوقت






طباعة الخبر طباعة الخبر ارسال الخبر الى صديق ارسال الخبر الى صديق

اضافة تعليق