نظرة على الخطاب المنافس للخطاب الثوري

إن الخطاب السياسي الرائد والثوري ليس وحیداً في المجتمع السياسي، بل يواجه منافسین جادين. وبالتالي ينبغي علی الخطاب الثوري أن یقوم بتقييم دقيق للخطابات المنافسة. والحوار السياسي المنافس بشكل عام نوعان: الخطاب السياسي الثابت والخطاب السياسي الإصلاحي.
المجموعة الأولى هي الخطاب الذي یدافع عن السيادة السياسية الموجودة، ولا تری الوضع القائم بحاجة إلى تغييرات جادة وليس لديها أي اعتراض علیه. لكن المجموعة الثانية (الإصلاحية) لا ترید إجراء أيّ تغييرات جذرية وإسقاطَ السيادة السياسية، لكنها بحجة الدفاع عن الديمقراطية، تعتبر القيام ببعض التغييرات في بنية النظام السياسي ضرورياً.
الخطاب الثوري ومن أجل مواجهة العقبات المقبلة وانتقال المجتمع السياسي إلى الوضع الثوري، لیس لدیه أي خيار سوى أن یتفاعل وینظم علاقاته مع الخطابین المنافسین الآخرین، ولكن هذا التفاعل ليس مماثلاً بسبب الفرق الجوهرى بين الخطابات المنافسة الثابتة والإصلاحية.
إن الخطاب الثوري وفي مواجهة الخطاب السياسي الثابت، یجب أن يعمل بالأسلوب الانتقادي؛ أي ینتقد وجود المنافس. ولكن في مواجهة المنافس الإصلاحي، یختار إجراء الحوار النقدي. ذلك أن الخطاب الإصلاحي وخلافاً للخطاب المحافظ علی الوضع الراهن، لدیه القدرة علی تحقیق بعض أهداف الخطاب الثوري.
هذا التفسیر المذکور عن الخطابات المنافسة لا یصدق علی المجتمع السياسي الذي یحكمه الخطاب الثوري؛ لأن السیادة الثورية تنتقد الوضع الراهن دائماً، ولا تری الثورة منتهیةً بمجرد إنشاء النظام السياسي الجديد. بل إن الروح الثورية قد تم إرساءها في المجتمع السياسي. وقيادة هذا المجتمع تعتبر نفسها ثوريةً دائماً، وليس دبلوماسيةً.
وينتمي الموظف الدبلوماسي إلى المجتمع العادي أو غير الثوري، وبالتالي فإن الخطاب المنافس في المجتمع الثوري، إما ألّا یتشکّل؛ مثل الخطاب الثابت الذي يدعو إلى الحفاظ على الوضع الراهن، بينما تصرّ المؤسسة السياسية الثورية على ضرورة إحداث التغييرات الجوهرية.
أو حتی إذا تشکل، فسيتحول إلى نقيضه؛ مثل الخطاب الإصلاحي الذي يدعو لإجراء تغييرات جذرية تدريجية. وفي أجواء الحكومة الثورية، فإن الخطاب الإصلاحي یتحول إلی الخطابات الرجعية.
وعندما فشلت الخطابات المنافسة في إقناع المجتمع السياسي علی الامتثال الفكري – السياسي منها، فإن الوضع الخطابي غير المستقر سينشأ. وبعبارة أخرى، إن الحالة الخطابية غير المستقرة هي مقدمةٌ لعدم الكفاءة الفكرية للمنافسين الحاكمین، ونتيجةً لذلك فإن الفرصة ستکون لسيطرة شبه الخطابات والخطاب الثوري.
إن الخطاب المنافس للخطاب الثوري، هو العلمانية السياسية. ومفهوم السياسة لدی أتباعها مرنٌ جداً: أي إنه يتضمن الحد الأدنى من المعنی (فصل الدين عن الدولة) إلى الحد الأقصى من معنی السياسة العلمانية (فصل الدين عن الدولة والمجتمع)؛ لذلك، فإن اللائكية هي الحد الأقصى للعلمانية السياسية وليست منافستها. کما أن حبس الدين في المجال الخاص، هو المطلب الرئیس لأتباع العلمانية السياسية.
وعلی الرغم من أن العوامل التاريخية والاجتماعية والدينية، قد لعبت دوراً أساسياً في تشكيل فکرة العلمانية السياسية، ولكن مصدرها الرئيسي هو العلمانية الفلسفية. ففي الفلسفة العلمانية، تحلّ الفردانية والاستقلالية محلّ الفکر التوحیدي، وترفض أي سلطة للدین والوحي في مجال الفكر والعمل. والعلمانية السياسية هي فكرة فريدة من نوعها لتجسيد العلمانية الفلسفية.
وبهذا فإن العلمانية السياسية هي ولیدة العلمانية الفلسفية، ولا يمكن الفصل بين الاثنتين. بحيث نقبل بالنظرية السياسية للعلمانية ونرفض أساسها الفلسفي؛ لأن الفصل یقتضي الدفاع عن نظرية سياسية تفتقر إلى الأساس الفلسفي. ومثل هذه النظرية ستنهار بسرعة في الحالات المتأزمة والتحديات الخطابية. وحتى إذا نجحنا في الفصل، فستکون هناك ظروف مواتية لتماشي العلمانية مع الخطاب الثوري.
إن العلمانية السياسية سواءً مع العلمانية الفلسفية أو بدونها، تعارض بشکل جاد الخطاب الثوري في کل الأحوال، ولیس لها أي اشتراك فکري معها على أي مستوى من المعرفة السياسية؛ لأن العلمانية السياسية لن تتخلی تحت أي ظرف من الظروف عن مبدأ فصل الدين عن السياسة.
ومن خلال رفض هذا المبدأ الأساسي سنصل إلى رفض العلمانية السياسية، کما أن رفض موضوعية الدين والسياسة من شأنه رفض الخطاب الثوري. إلى جانب ذلك، فيمكن للخطاب الثوري وعبر قلب العلمانية السياسية، اكتساب السيادة السياسية.
المصدر / الوقت
طباعة الخبر
ارسال الخبر الى صديق



