- وكالة الرأي الدولية - https://www.alrai-iq.com -

المأزق الخفي… فهم الواقع الحقيقي لحركة النفط في مضيق هرمز

تستند أنظمة الطاقة العالمية على فرضية أن النفط في حالة حركة مستمرة، يتدفق عبر خطوط الأنابيب، والمحيطات، ومصافي التكرير، وصولًا إلى الاقتصادات التي تعتمد عليه. وتظل هذه الفرضية قائمةً طالما لم تواجه حركة النفط أي عقبات. هذا الواقع تجلّى بوضوح عندما أُغلق مضيق هرمز بشكل غير مسبوق لأكثر من ثلاثة أشهر. والآن يترقب العالم كيف ستنعكس التوترات المتراجعة مؤقتًا في الخليج الفارسي على حركة عبور النفط عبر المضيق، وكيف ستتأثر أسواق النفط بهذا الوضع. وفي هذا السياق، تناول موقع discoveryalert في تقريره المعنون «حركة النفط في مضيق هرمز: الأزمة، الانهيار، والتعافي 2026» أبعاد الأزمة والسيناريوهات المحتملة.

لماذا يختلف مضيق هرمز عن بقية الممرات البحرية؟

يقع مضيق هرمز عند ملتقى الخليج الفارسي وبحر عمان، وهو المخرج الوحيد لمنطقة تتميز بأعلى كثافة في إنتاج النفط الخام على مستوى العالم. وأضيق نقطة صالحة للملاحة البحرية فيه لا تتجاوز عدة أميال، لكن وفقًا لتقرير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، كان هذا الممر في ظروفه الطبيعية عام 2024 يمرّ عبره يوميًا بحوالي 20 مليون برميل من النفط الخام ومشتقاته، وهو ما يشكّل ما بين 20 إلى 25 بالمئة من إجمالي النفط البحري المتداول عالميًا.

ما يميّز مضيق هرمز عن غيره من المضائق، هو غياب شبه كامل لأي بنية تحتية بديلة ذات حجم ملحوظ. فمثلًا، يمر عبر مضيق ملقا حوالي 16 إلى 17 مليون برميل يوميًا، إلا أن هناك طرقًا بديلةً جزئيةً للتحويل. كما يحمل كل من قناة السويس وخط أنابيب سوميد في مصر معًا ما بين 9 إلى 10 ملايين برميل يوميًا، ويمكن اعتبارهما بدائل جزئية لمسار رأس الرجاء الصالح. أما مضيق هرمز فلا يمتلك أي مخرج بديل مماثل.

وقدّرت مركز «شتراوس» أن حوالي 88 بالمئة من إجمالي النفط الخارج من الخليج الفارسي يعبر عبر هذا الممر الوحيد، مما يحوّل مخاطر التركيز إلى خاصية هيكلية جوهرية في سلسلة الإمداد النفطي العالمية، وليس مجرد نقطة ضعف مؤقتة.

مشكلة 7 ملايين برميل: ما الذي يعبر المضيق فعلاً؟

في يونيو 2026، أعلن كريس رايت، وزير الطاقة الأمريكي، خلال جلسة إحاطة في هيوستن حول أمن الطاقة بتنظيم بلومبرغ، أن حوالي 7 ملايين برميل يوميًا من النفط الخام ومشتقاته تمر عبر مضيق هرمز. ووصف هذا الرقم بأنه متوسط تقريبي مع اتجاه تصاعدي. وهذا يشير إلى أن الممر يدير حاليًا نحو نصف الفجوة في العرض الناتجة عن الإغلاق الفعلي للمسار، وأن عدة ملايين أخرى من البراميل تغيّر مسارها عبر بنى تحتية لأنابيب إقليمية.

ومع ذلك، شكّك مايك ويرث، الرئيس التنفيذي لشركة شيفرون، في نفس الحدث علنًا في هذا التقدير، مشيرًا إلى أن الرقم الحقيقي قد يكون أقل قليلاً. وقال إن الشحنات التي تعبر بالفعل المضيق تتم غالبًا عبر ناقلات غير مفعلة أجهزة التتبع، وبشكل رئيسي خلال الليل. وهذا الوضع لا يشير إلى عودة طبيعية لمسار التجارة. كما أن فهم أسعار النفط الخام الحالية، يساعد في إدراك مدى تأثير هذا الاضطراب على المؤشرات العالمية.

تحذير بشأن موثوقية البيانات: التقديرات الحالية لحجم العبور عبر مضيق هرمز، تتّسم بدرجة كبيرة من عدم اليقين في جميع المصادر. فإطفاء نظام التتبع AIS، والعبور بمساعدة عسكرية، والتنقل الحصري ليلاً، كلها عوامل تعطل الرؤية اللحظية للبيانات بشكل منهجي. لذلك، يتعين على المحللين ومراقبي السوق مقارنة بيانات عدة مزودين لتتبع السفن، ومراجعة كل تقدير بحذر بالغ.

فقد سجّلت شركتا تتبع السفن التجاريتين، كلير وورتكسا، متوسط صادرات النفط الخام للدول الخليجية عبر المضيق في يونيو 2026 بين 226 ألفًا و330 ألف برميل يوميًا فقط.

فك شيفرة ظاهرة العبور مع نظام التعريف الآلي AIS مطفأً

يُعدّ نظام التعريف الآلي (AIS) بمثابة جهاز إرسال الطائرات في عالم الملاحة البحرية. في الظروف العادية، تبث السفن هويتها وموقعها ومسارها وسرعتها إلى السفن الأخرى ومحطات الساحل المجاورة. وعندما يقوم المشغلون بإطفاء هذا النظام، تختفي السفينة تماماً من منصات التتبع التجارية.

أعلنت شركة الاستشارات البحرية “ويندوارد” أنه خلال الأسابيع الماضية، كانت حوالي أربع سفن يومياً تعبر المنطقة الواقعة عند مضيق هرمز وهي تطفئ جهاز الإرسال. وللمقارنة، كان معدل عبور السفن قبل اندلاع النزاع يبلغ في المتوسط 130 سفينة يومياً، تنقل ما بين 14 إلى 15 مليون برميل من النفط الخام وتدفق الطاقة من منطقة الخليج الفارسي. لذا، فإن الانخفاض الحاد في حركة المرور المرصودة لا يعكس فقط تراجع الحركة الفعلية، بل هو أيضاً نتيجة إطفاء متعمد للإشارات.

والنتيجة العملية لهذا الأمر مهمة للغاية لتحليل السوق. فالفجوة الهائلة بين التدفق المرصود بواسطة أجهزة التتبع (بضع مئات الآلاف من البراميل يومياً) وتقدير الحكومة الأمريكية الذي يبلغ 7 ملايين برميل، تُفسر إلى حد كبير بعبور السفن مع نظام الإرسال مطفأً، وليس بنقص في عدد ناقلات النفط. ومع ذلك، حتى لو اعتمدنا الرقم الرسمي ظاهرياً، فإن حجم العبور الحالي لا يزال أقل بنحو 65٪ من مستوى عام 2024. ونتيجةً لذلك، تفاعلت عقود النفط الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط وبرنت بشدة مع هذا القيد في العرض، حيث يعكس كلا المؤشرين حالة عدم اليقين على المدى الطويل.

تفصيل الأحجام حسب ناقلات النفط الفائقة الضخامة (VLCC)

تُعتبر ناقلة النفط الفائقة الضخامة (VLCC) العمود الفقري لنقل النفط الخام لمسافات طويلة، حيث تبلغ سعتها المعيارية حوالي 2 مليون برميل. وبناءً على تقدير وزارة الطاقة الأمريكية والذي يبلغ 7 ملايين برميل يومياً، فإن معدل العبور الضمني يعادل حوالي 3.5 ناقلة VLCC يومياً. وفي ظل الظروف السابقة للنزاع، كان المضيق يمرر بانتظام ما يعادل 7 إلى 8 ناقلات VLCC يومياً في قطاع النفط الخام فقط، بالإضافة إلى كميات كبيرة من المنتجات المكررة والغاز الطبيعي المسال. ويعدّ الانخفاض الضمني في النشاط الفعلي للسفن ملحوظاً حتى دون احتساب احتمال أن يكون رقم الـ7 ملايين برميل مبالغاً فيه.

كيف غيّر النزاع هيكل عمليات ناقلات النفط: هياكل خلف الإغلاق الفعلي للممر

منذ بداية النزاع مع إيران، يعمل مرور النفط عبر مضيق هرمز، في ظل ظروفٍ يمكن وصفها على أنها إغلاق عملي لحركة المرور التجارية. إذ قامت إيران، باستخدام مزيج من التهديد بزرع ألغام بحرية وإظهار القدرة على مهاجمة السفن، بمنع الملاحة التجارية بشكل منهجي. وقد سجلت المنظمة البحرية الدولية منذ بدء الأعمال العدائية 46 هجوماً على السفن أسفر عن وفاة 14 بحاراً. هذه المخاطر ليست مجرد إحصائيات مجردة، بل هي حوادث واقعية غيّرت تماماً طريقة حساب العائد المعدل حسب المخاطر لمشغلي السفن العابرة للمضيق.

لقد ارتفعت علاوة مخاطر الحرب بشكل كبير في هذا المضيق، مما رفع مباشرةً تكلفة النفط الخليجي للمستوردين. ومع ذلك، يؤكد العاملون في الصناعة دائماً على أن سلامة الطاقم هي القيد الأهم، وليس فقط تكلفة التأمين. فلا توجد بوليصة تأمين يمكن أن تعوّض بشكل كامل العواقب التي لا يمكن تداركها التي مرّ بها البحارة في هذه المنطقة.

مراقبة الجيش الأمريكي والقيود المفروضة عليها

لا تقوم البحرية الأمريكية بعمليات مرافقة رسمية أو قوافل في المضيق، بل بدلاً من ذلك، توجّه السفن عبر مسار بديل جنوب خط الفصل القياسي لحركة المرور، يمرّ عبر المياه الإقليمية العمانية، حسبما أفادت شركة التأمين البحري “سكولد”. يقلل هذا المسار من تعرض السفن لأخطر مناطق النزاع داخل المضيق نفسه.

نمط العمليات لهذه المرور الموجّه عسكرياً يروي القصة كاملةً:

تمرّ السفن في الغالب ليلاً
تكون أجهزة الإرسال AIS مطفأةً طوال الوقت
يتبع المسار ممرًا غير قياسي جنوبي في المياه العمانية
يُوصف التوجيه العسكري بأنه “إرشاد” وليس مرافقةً نشطةً

هذا النموذج لا يسمح بالعودة إلى حجم العبور قبل النزاع. فالمرور تحت التوجيه العسكري يوفّر صمام ضغط للشحنات الحيوية، لكنه لا يعني العودة إلى طبيعة المرور التجاري الاعتيادي. بالإضافة إلى ذلك، فإن الاضطراب الذي أحدثته هذه القيود في سوق النفط، قد زاد من تعقيد العلاقة التي كانت أصلاً معقدةً بين العرض والتسعير في المؤشرات العالمية.

المسارات البديلة لخطوط الأنابيب: دعم لا يملأ الفراغ

منذ الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، تم تحويل عدة ملايين من البراميل يومياً عبر بنية تحتية لخطوط أنابيب برية. المسارات الرئيسية تشمل خط أنابيب بترولاين (من الشرق إلى الغرب) في السعودية، الذي يربط حقول النفط في المنطقة الشرقية بمحطة تصدير البحر الأحمر في ينبع، وخط أنابيب النفط الخام لأبوظبي (ADCOP) الذي يربط إنتاج الإمارات بمحطة التصدير في فجيرة على بحر عمان، متجنباً بالكامل عبور مضيق هرمز.

إن القدرة النظرية التصديرية المجمعة لهذه المسارات، أقل بكثير من الـ 14 إلى 15 مليون برميل يومياً التي كانت تمر تاريخياً عبر مضيق هرمز. لدى السعودية والإمارات قدرة تعويض جزئية، أما العراق والكويت فلا يملكان أي قدرة حقيقية. خصوصاً العراق، الذي كان يصدّر قبل النزاع حوالي 3.5 إلى 4 ملايين برميل يومياً عبر المضيق، حيث يشكّل الإغلاق أزمة تصدير هيكلية بلا حلول أنبوبية بديلة.

الهشاشة الإقليمية: من يتحمل أكبر المخاطر؟

البلدان الأكثر تأثراً بانخفاض حركة نفط مضيق هرمز، تتركز أساساً في منطقة آسيا والمحيط الهادئ:

اليابان: تعتمد بشكل كبير على النفط الخليجي لتلبية معظم احتياجاتها الاستيرادية، مع قدرة إنتاج محلية محدودة
كوريا الجنوبية: بشكل مشابه تعتمد على الإمدادات من الشرق الأوسط لنسبة كبيرة من تغذية مصافيها
الصين: رغم جهود التنويع في العقد الماضي، لا تزال كمية كبيرة من مشترياتها النفطية تمر عبر مضيق هرمز
الهند: وسّعت وارداتها من نفط الخليج الفارسي، وتواجه تحديات في استبدال الإمدادات خلال فترات الاضطراب

أما المشترون الأوروبيون فلديهم مرونة أكبر عبر خيارات بديلة من حوض الأطلسي وبحر الشمال، إلا أنهم لا يزالون معرضين للمخاطر عبر قنوات الغاز الطبيعي المسال والمنتجات النفطية.

الهشاشة الهيكلية للعراق تستحق تأكيداً خاصاً. إذ إن البلاد، التي تفتقر إلى قدرة بديلة ذات معنى عبر خطوط الأنابيب، تعتمد اقتصادياً بشكل شبه كامل على الوصول إلى مضيق هرمز لاستغلال إنتاجها النفطي.

إن الإغلاق الطويل الأمد يحدّ بشكل غير متناسب من وصول النفط العراقي من البصرة إلى الأسواق العالمية، ويزيد من تعقيد الفجوة السعرية بين أنواع النفط الثقيلة والمتوسطة في أسواق آسيا. إضافةً إلى ذلك، تقلص نفوذ أوبك على قرارات الإنتاج بين الدول الأعضاء، بسبب العجز الفعلي في تصدير النفط عبر المسارات التقليدية.

توقعات استعادة حركة النفط وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية ومعناها الحقيقي

تتوقع أحدث تقارير “الآفاق قصيرة الأمد للطاقة” الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، أن حركة النفط عبر مضيق هرمز لن تعود إلى مستويات ما قبل النزاع قبل أوائل عام 2027 على الأقل. وهذا يعني فترة تعافٍ تمتد من 18 إلى 24 شهراً بدءاً من منتصف 2025، في سيناريو أساسي يمكن وصفه بالتفاؤلي.

اعتماداً على التطورات الدبلوماسية والعملية، يمكن تصور ثلاثة مسارات محتملة للتعافي:

السيناريو الأول: التعافي المتسارع

تنفيذ اتفاق شامل وموثق خلال 60 إلى 90 يوماً
عدم وقوع أية حوادث إضافية للسفن
عودة حركة المرور التجارية إلى 60-70% من مستويات ما قبل النزاع خلال 12 شهراً
سوق النفط يعكس تحسناً في العرض مع تخفيف القيود، مما يؤدي إلى انخفاض الأسعار جزئياً

السيناريو الثاني: التعافي الأساسي (وفق توقعات إدارة معلومات الطاقة)

اتفاق نسبي يخفّف من الأعمال العدائية لكنه لا يلغي المخاطر المتبقية
استعادة ثقة المشغلين خلال 18 إلى 24 شهراً
عودة الحركة إلى مستويات ما قبل النزاع بحلول أوائل 2027
بقاء علاوة مخاطر الحرب عند 5 إلى 10 دولارات للبرميل حتى نهاية 2026

السيناريو الثالث: اضطراب طويل الأمد

توقف أو فشل المفاوضات
استمرار الهجمات المتفرقة
بقاء حركة المرور عند 40 إلى 50% من مستويات ما قبل النزاع بشكل هيكلي حتى 2027
استمرار التوترات في العرض، مما يؤدي إلى تقلبات سعرية حادة مع كل تصعيد للأحداث

الآثار المتسلسلة تتجاوز النفط الخام: الغاز الطبيعي المسال، الأسمدة ومواد التغذية البتروكيميائية

الاضطراب الحاصل يتجاوز حدود النفط الخام بكثير. قطر، أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، تمرر تقريباً كامل شحناتها عبر مضيق هرمز. والإغلاق الطويل الأمد يضع إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية تحت ضغط شديد، مما يؤدي إلى تأثيرات تصاعدية على أسعار الغاز في أوروبا وآسيا، لا سيما خلال فترات الذروة الموسمية للطلب.

کما أن صادرات الأسمدة الكيميائية من الخليج الفارسي أيضاً قُيّدت بشكل كبير. فالسعودية وقطر من أكبر منتجي اليوريا والأمونيا في العالم. ويخلق تقييد الوصول إلى هذه الكميات خلال موسم الزراعة، ضغوطاً تصاعديةً ملحوظةً على تكاليف مستلزمات الزراعة في جنوب وجنوب شرق آسيا، حيث يرتبط الأمن الغذائي ارتباطاً وثيقاً بتوفر الأسمدة.

تحديات تأمين مواد تغذية المصافي الآسيوية

بالنسبة لمصافي التكرير في آسيا، أدى تحدي تأمين مصادر المواد الخام إلى تحول هيكلي نحو مصادر بديلة للنفط الخام. فقد حلت درجات النفط الإفريقية الغربية، وصادرات النفط الخام الأمريكية، وفي بعض الحالات درجات النفط الروسية، بديلاً عن أنواع النفط الثقيلة إلى المتوسطة القادمة من الخليج الفارسي، التي صممت المصافي الآسيوية أصلاً لمعالجتها. وأسفر هذا التحول عن:

تغير الفروق السعرية الإقليمية للنفط الخام وارتفاع علاوة المخاطر على درجات النفط غير المرتبطة بمضيق هرمز
انخفاض معدلات تشغيل المصافي في اليابان وكوريا الجنوبية وأجزاء من جنوب شرق آسيا نتيجة تعقيد مواصفات المواد الخام
زيادة تكاليف اللوجستيات بسبب ارتفاع متوسط مسافة النقل من المصادر البديلة مقارنةً بالإمدادات من الخليج الفارسي

إعادة بناء ثقة السوق الطويلة الأمد: لماذا لن يفتح الاتفاق المضيق بمفرده؟

الاتفاق الدبلوماسي، إذا تحقق ووقّع، سيكون بدايةً لعملية تعافٍ وليس نهايتها. إن إعادة استعادة كامل حجم العبور التجاري مسألة متعددة الأبعاد، تتطلب على الأقل ثلاثة أفق زمنية مستقلة تسير بالتوازي.

أولاً: علاوة مخاطر الحرب تحتاج إلى وقت للعودة إلى طبيعتها. فشركات التأمين تعيد تسعير المخاطر بناءً على فترات خالية من الحوادث مُثبتة، لا بناءً على الاتفاقيات الموقعة.

ثانياً: قضايا رفاهية الطواقم، المستقلة عن الحوافز المالية، تفرض قيوداً على قرارات المشغلين. لدى البحارة والنقابات البحرية تأثير ملموس على قرارات المسار، لا سيما عندما تكون سجلات السلامة في تدهور مستمر.

ثالثاً: جداول مواعيد السفن وهياكل عقود الشحن تتطلب وقتاً لإعادة البناء، مما يعني أن المشغلين الراغبين لا يمكنهم فوراً استعادة حجم وتواتر التدفقات السابقة للنزاع.

إن الإطار الزمني الذي حدّده تقرير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية لأوائل 2027، يأخذ في الحسبان هذه الطبقات المتعددة من إعادة البناء. فالمحللون والمستثمرون الذين ينظرون إلى الإعلان الدبلوماسي كحدث ثنائي يُفضي إلى التعافي الفوري، سيصابون على الأرجح بخيبة أمل كبيرة عند مواجهة الواقع الفعلي للتعافي المادي.

درس هيكلي في أمن الطاقة

الاضطراب الحالي كشف بوضوح غير مسبوق عن مخاطر تركيز البنية التحتية اللوجستية العالمية للنفط في نقطة واحدة. فلا يوجد مزيج من تحرير الاحتياطيات الاستراتيجية للنفط، أو تحويل المسارات عبر خطوط الأنابيب، أو تعويضات العرض، قادر على تعويض النقص الكامل في حجم العبور عبر مضيق هرمز. إن عدم قابلية تعويض المضيق، التي كانت سابقاً فرضيةً أساسيةً في تحليلات أمن الطاقة، أصبحت اليوم حقيقةً مثبتةً تجريبياً.

لمخططي الطاقة، والمتعاملين في السلع، والمستثمرين المعرضين لهوامش ربح التكرير الآسيوي أو اقتصاديات منتجي الخليج الفارسي، يعزّز الحدث الحالي مجموعة من المبادئ الثابتة:

تنويع سلسلة التوريد يخفّف من آثار الأحداث التي تسبب تعطل نقطة واحدة، لكنه يتطلب التزاماً استثمارياً مستمراً على مدى سنوات.
كفاية الاحتياطيات الاستراتيجية تكتسب أهميةً قصوى عندما يكون نطاق الاضطراب غير واضح، كما هو الحال حالياً.
المرونة على جانب الطلب في تصميم المصافي، توفّر خيارات اختيارية لا تتوفر للمصانع ذات المواصفات الثابتة عند حدوث اضطرابات في المواد الخام.
نمذجة تكاليف النقل والتأمين يجب أن تشمل سيناريوهات مخاطر شديدة لجميع نقاط الاختناق الرئيسية، وليس مجرد الافتراضات الأساسية.

لطالما كان مضيق هرمز، من الناحية النظرية، أهم ممر استراتيجي للطاقة في العالم، وقد أكدت الحرب هذه الحقيقة؛ لذا فإن العودة إلى حركة النفط الطبيعية في المضيق، ستُقاس بالسنوات لا الأسابيع.
المصدر/ الوقت