بعد فترة قصيرة على دخول الجيش السوري للحدود الإدارة لمحافظة الرقّة التي يسيطر عليها تنظيم داعش الإرهابي، دخل الرئيس السوري “بشار الأسد” إلى أروقة البرلمان حاملاً بيده مفاتيح دمشق، يعلّق أحد المراقبين على خطاب الرئيس السوري بالأمس في مجلس الشعب السوري.
فقد وضع “الأسد” في أول كلمة له أمام نواب الدور التشريعي الثاني في مجلس الشعب النقاط على الحروف حيث أظهرت نبرته العالية في الخطاب ثقة غير مسبوقة بالنصر في المعارك القائمة على الأراضي السورية.
تنوّعت ملفات الرئيس “الأسد” على طاولة البرلمان الذي ترأسته “هدية عباس”، أول امرأة تترأس المجلس في تاريخ سوريا، بين الداخل والخارج. داخلياً تنوّعت الملفات ما بين الواضع الداخلي القائم والوضع الإقتصادي. “الأسد” عزا المشكلة في الملف الأول إلى عدم التماسك، موضحاً أن “الأمور في سوريا لم تكن لتصل إلى ما هي عليه لو كان البيتُ الداخلي صُلباً ومتماسكاً”. الأسد رفض أن يصف المتواطئين بالسوريين بل أوضح “أنّ البعض ممن يحمل الجنسية السورية “ارتضوا أن يكونوا دمىً تحرّكها دول تحلم بعودة استعمارها القديم”.
الرئيس السوري تطرّق إلى الوضع الإقتصادي موضحاً ان مشكلة الليرة السورية تعود الى الضعف في الإقتصاد بالدرجة الأولى، خاصّة أنها تخضع لبعض تأثيرات الارهاب عليها.
رغم سخونة الملفات الداخلية التي تطرّق إليها الرئيس السوري، إلاّ أن الشق الخارجي للخطاب كان أكثر سخونة حيث شنّ الرئيس “الأسد” هجوماً هو الأعنف من نوعه منذ بدء الأزمة على على الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”، واصفاً إياه بالبلطجي والأزعر. “الأسد” وصف نظام أردوغان بـ “الفاشي الذي يركّز على حلب بعد فشل مشروعه الإرهابي”، ليضيف أن حلب “المقبرة التي تدفن فيها آمال” الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان.”
خارجياً أيضاً، الرئيس السوري رفض أي دستور يفضي إلى محاصصة طائفية، وأي عملية سياسية لا تؤدي إلى القضاء على الإرهاب.، مؤكداً أن الأزمة لن تنتهي إلاّ باقتلاع الإرهاب من أصوله وتحرير كلّ شبر من سوريا”.
تحمل النبرة العالية للرئيس الأسد في خطابه الأول امام مجلس النواب الجديد رسائل عديدة، تعكس الموقف السياسي والعسكري والعقائدي لأصحابها، ولعل هذا ما يفسّر الموقف الأمريكي الذي أعرب عن قلقله من كلمة الرئيس السوري في البرلمان. الرسائل السورية يمكن إيجازها في النقاط التالية:
أولاً: تعكس نبرة الإنتصار الذي تحدّث بها الرئيس السوري بالأمس، ثقة غير مسبوقة في نتائج المعارك التي يخوضها الجيش السوري وحلفائه حيث عاد الحليف الروسي على خط المواجهة العسكرية من جديد.
ثانياً: الهجوم العنيف على “أردوغان” يتزامن مع وضع أمني هش في تركيا إضافةً إلى تهميش أمريكا لدوره في سوريا لصالح الأكراد فضلاً عن الأزمة المتفاقمة مع ألمانيا بعد إعترافها بالمحرقة، الأمر الذي يعكس مشهداً معاكساً لبدايات الازمة حيث كانت أغلب الحكومات العربية والغربية تدعم أردوغان الذي حمل راية الشعب السوري، تماماً كما حمل راية الشعب الفلسطيني في غزّة وتخلّى عنها عند أقرب مفترق طريق لمصلحة إقتصادية هنا، وسياسيّة هناك.
ثالثاً: إن رفع الصوت بعد أكثر من خمس سنوات على الأزمة يعكس دراية سياسية للأسد بعكس العديد من خصومه الذين رفعوا أصواتهم منذ ليوم الأول، إلا انها ما لبثت أن خمدت مع مرور الوقت. الدراية السياسية هذه أظهرها في تفاصيل الخطاب عندما قال إن “إصرارنا على اقتلاع الإرهاب لايعني عدم إيماننا بالعملية السياسية”، معتبراً أن كل من وجّه التهم للوفد السوري المفاوض غير متمرس بالسياسة بل “هواة”.
رابعاً: إن العملية السياسية الناجحة للشعب السوري في الإنتخابات الأخيرة فوّضت الرئيس أوراق قوّة جديدة تسمح له برفع السقف عالياً على أردوغان، وكافّة القوى الغربية المشكّكة في شرعية النظام. لو أن الجزء الأكبر من الشعب السوري تخلّى عن الأسد لما شاهدناه بالأمس في البرلمان، بل لاقى مصير بقية الرؤساء العرب كحسني مبارك، و زين العابدين بن علي ومعمّر القذافي.
خامساً: كما أن للشعب السوري نصيباً من أوراق القوّة للرئيس الأسد، لا يمكن التغافل عن دور الأصدقاء الأوفياء الذين نجحوا بالتعاون مع الجيش في التصدي للهجمة التي تستهدف سوريا كقضية ومحور. على الخلاف من أمريكا التي لا يطمئن لا حلفائها، تركيا على سبيل المثال، هناك ثقة عمياء بين دمشق وحلفائها كانت سبباً رئيسياً في سيطرة الرئيس الأسد على المشهد العام.
يبدو أن الأسد بدأ بعملية الإنقضاض التدريجي على فرائسه، عبر حشر نفسه في زاوية الإنتصار قائلاً: كما حررنا تدمر سنحرر كل شبر من سورية فلا خيار أمامنا سوى الانتصار.
المصدر / الوقت