ثقافة – الرأي –
من ملامح الثقافة البائسة لدينا ؛ المهادنة أو الخضوع والاستسلام لما يجري في أوساطها من نفاق ودجل وجُبن ، مع محاربة خبيثة للإبداع أو المبدعين البعيدين عن ضجيج المؤسسات الرسمية وغير الرسمية بشكل خاص ..
هذا ملمح واحد لا غير ، أما عن غيره ؛ فهو تواجد بعض (المخرفين ) العاطلين عن الحياة والإبداع أصلا ، وهيمنتهم على بعض هذه المؤسسات الثقافية تحت مسميات وعناوين زائفة موروثة ضمن هذا النفاق والدجل الثقافي ، أو تحت تأثير أيديولوجي معين يجمع تحت سقفه مثل هذه النماذج _الساخطة ضمنيا _ على ما هو مبتكر وجديد وغير مألوف ، مثلما هي ساخطة على من هو بعيد عن توجهاتهم وعقائدهم ، أعني _ عقدهم _ بتعبير أدق ، ليكوّنوا الجدار المؤسساتي أو الحاجز الخبيث الذي من مهماته صد المبدع الحقيقي غير التابع لجهة أو جماعة أو عصابة ما ، عن مجراه النقي ، بطرق شتى ..
ومن بين الوسائل المفضوحة المستخدمة لدى هؤلاء (المخرفين )؛ النبش في نصوص وكتابات إبداعية معينة ، تحت ذرائع فنية ، مستعينين بشخوص ( مريضة ) ، جبانة ومجاورة لهم في المهمة والنوايا والأهداف ، بغية الإساءة أو التقليل من شأن هذا المبدع أو ذاك في وسائل الإعلام ،تحت يافطات نقدية، والمشكلة هنا أنهم بعيدون جدا عن هذا المفهوم الفني الذي يدّعونه لأسباب عديدة من بينها :(الخرَف ) وعطل الموهبة والمعرفة والمتابعة لدى هذا المتصيد وذلك الدخيل على التقييم أو العملية النقدية ، إلى المستوى الذي يجهل فيه تماما ولا يميز بين إيقاع قصيدة (التفعيلة ) عن الإيقاع الداخلي أو الموسيقى الداخلية ل(قصيدة النثر ) مثلا ، ويطالب الثانية بإيقاع الأولى كتقييم فني حسب مختبره النقدي !!
مثل هذا الكائن المنقرض لا جدوى منه قطعا ، حتى لو كان يتبوأ مناصب إدارية وعناوين مهمة في الإتحاد الفلاني العريق أو المؤسسة العلانية الخطيرة ، لدورات عدّة ، أو حتى لو نفخت أنفاس المنافقين والمرتزقة و(الأبواق) الأيديولوجية في قربته المثقوبة ، ليجعلوا منه (رمزا ) أو(واجهة ) أو (مرجعا ) ثقافيا مهما ، بالإكراه ومن دون وجه حق ، فإن ذلك لن يغير من بؤس الثقافة لدينا وشكلها مادامت النوايا والأهداف ليست ثقافية وإبداعية بقدر ما هي _مرَضية _ ، كما أن مثل هذا الشخص بطبيعته عدو ما يجهل ولن يشفع له تقدمه في السن أو تاريخه (النضالي) والسياسي ولو تلبّس لباس المعرفة والحكمة والثقافة والأدب من الخارج الهرم .
في مثل هكذا (عمليات صغيرة مقصودة) لاستهداف المبدعين الحقيقيين الأنقياء ، فإنهم يرفعون من شأن (أدواتهم ) المقربة و المجاورة لهم ، من صنف الجبناء المأجورين وماسحي الأكتاف والنفعيين الذين يسيل لعابهم على فتات (الدعوات ) والمهرجانات والمناسبات الرخيصة هنا وهناك ، أو من اللاهثين على (الدروع) و(الشهادات ) و(التكريمات ) التي يقدمها هذا (الخرِف) أو ذاك ، هكذا يعتقدون ، للنيل من الثقافة النظيفة والشريفة ، المستقلة والراقية ، التي تتبناها أصوات بعيدة عن منصّات التهريج والإدعاءات والمناسبات التي يعتاشون عليها كبقالين وسماسرة في الثقافة ..
لكني أقول وأكرر لمثل هؤلاء المخرفين والجبناء في مؤسساتنا ومنظماتنا الثقافية المعنية :
من يخشى ما هو مبتكر وجميل ومؤثر في ساحة التنافس الإبداعي ؛ سيعترض الطريق بمصدّاته ومعاوله وأدوات تعتيمه ، ولكنه لا يستطيع الوقوف كل الوقت لمنع السيل المتدفق من روح متألقة بالضوء والجمال والخلق .
حسين الهاشمي