- وكالة الرأي الدولية - https://www.alrai-iq.com -

المشهد اللبناني: بين مغامرةٍ مدروسة ومقامرةٍ ثمنها الرؤوس

 قد يكون الكلام المنطقي والموضوعي، أكثر الطرق للإقناع. فالعالم المعقد الذي نعيش فيه اليوم، أدخل الجميع في صراعٍ بين الواقع والأهداف. وبمجرد أن تختلف وجهة الواقع عن الهدف المنشود، يضيع الجميع إلا من استطاع التعالي عن الذات، ونظر للواقع من الأعلى وليس من داخله. حينها يختلف المشهد وتُدرَك الحقائق. ولعل لبنان البلد الصغير في حجمه والكبير في تأثيره على مجريات الصراع، يشكل نموذجاً للدولة التي تجمع الأضداد السياسيين، في زمنٍ صعب التقدير، ويحتاج لعناية في قراءة الواقع. فكيف يمكن قراءة المشهد اللبناني وبموضوعية، مع الأخذ بعين الإعتبار الجغرافيا السياسية الجديدة للصراع؟

 

حقيقة المشهد اللبناني:

لا داعي اليوم للحديث عن النوايا، بل يكفي وصف الأداء السياسي للأطراف اللبنانية. فحديث النوايا يُدخل المرء في دائرة الحكم المسبق وهو ما لسنا بحاجةٍ له، لأن الأمور اليوم أوضح مما يتوقع الجميع. ولذلك فإن القراءة الموضوعية ترتكز على وصف ما يتفق عليه الجميع، وهو ما سنعرضه كوصف وليس كتقييم، بعيداً عن الرأي. وهو على الشكل التالي:

ذهب حزب الله إلى القتال في سوريا، وأعلن ذلك بشكلٍ تدريجي، وهو الأمر الذي يمكن القول اليوم إنه طبيعي لأنه كمقاومة في مواجهة المخاطر الإسرائيلية، يشكل الخط الأمامي للصراع، ورأس حربة محور المقاومة الذي يمتد من إيران وصولاً الى سوريا ومروراً بغزة. وبالتالي، إستطاع حزب الله أن يعبر التحدي اللبناني بهدوء وحكمة، بعيداً عن الإستفزاز، وهو الأمر الذي كان يعرفه المراقبون والمحللون منذ بداية الأزمة السورية، وبالتحديد أولئك الذين كانوا يدركون أن الأزمة هي أكبر من مسألة إسقاط النظام في سوريا، وهو ما شكل بحد ذاته، معركة وجودٍ للحزب، وأدخله في صراع الأولويات، فكانت البدائل قليلة، ليتأكد وللجميع اليوم أن تأخير التدخل حينها، كان سيكون بنتائجه أسوأ مما نراه اليوم على لبنان. الى جانب أن العديد من المخططين، وجدوا في سقوط النظام في سوريا، أمراً سلبياً على لبنان، وهذا الكلام بحسب رأيهم حينها، لم يكن حباً بالنظام، بل إيماناً بأن البديل أسوأ. أما اليوم تختلف الأمور في التقييم وهذا ما سنعرضه لاحقاً في تحليل المشهد.

أما قوى ١٤ آذار، فهي ملتزمة وبوضوح بالمحور الأمريكي الخليجي. وهو أمرٌ قد يكون طبيعياً بالنسبة لها، نتيجة الإيمان بأنه لا بد من إستناد المرجعيات السياسية المحلية لقوى إقليمية تحظى بقوة دولية. وهذه القوى جميعها تعلن وتقول إنه لا شرعية للمقاومة أو لقوى التغيير. ومن يستغرب هذا الموضوع، عليه أن يعود لقراءة التاريخ السياسي اللبناني، ليجد أن الواقع الحالي ليس بجديد، إنما هو إمتدادٌ للماضي، ليس أكثر، وإن كان بطريقة أو بأسلوبٍ آخر. فتيار المستقبل اليوم، هو في محوره الطبيعي منذ زمن، إذ أنه لم يكن يوماً في محور الممانعة، كما أن موقفه من النظام السوري معلنٌ وواضح. وقد تطور موقفه ليصل للعداء فالمواجهة ثم الإنخراط في المعركة ضد سوريا، بغض النظر عن الأسلوب والطريقة.

إذاً هكذا يمكن وصف المشهد اللبناني بطريقة موضوعية يتفق عليها الجميع بعيداً عن النوايا والآراء. لكن الأهم هو كيف يمكن تحليل الدلالات والمستقبل، في محاولةٍ لوضع الأمور في نصابها، على أن يكون الهدف، أمن لبنان القومي في ظل الجغرافيا السياسية الجديدة للصراع.

تحليلٌ ودلالات:

إن التقييم الدقيق للمشهد يصل الى نتيجة مفادها أن الواقع اللبناني السيء الذي قد يراه الكثيرون، هو في الحقيقة أفضل مما كان مُرتقباً. كما أن ما يدفعه لبنان من أثمان في الداخل، هو حقيقةً أقل بكثير من الأثمان التي كان سيدفعها، لو انتقلت المعركة الى الداخل اللبناني. فكيف يمكن تأكيد ذلك؟

صحيحٌ أنه لا يمكن التفاؤل بتعديل أو تغيير المواقف بين اللبنانيين ولو على المدى المنظور. فالأطراف السياسية اللبنانية منقسمة، ففي وقتٍ يُظهر فيه أطرافٌ عداءهم الواضح لتنظيمي النصرة وداعش الإرهابيين، وهو جمهور المقاومة وحلفاؤها، لم تعلن الأطراف الأخرى عداءها الواضح للإرهاب، بل أن البعض دخل في إحتضان إنجازاته، وتقديم حزب الله على أنه العدو والتقليل من إنجازاته ضد التكفيريين. وكل ذلك يبدو جلياً من خلال مراقبة قنوات الإعلام اللبناني والتي تعبر عن سياسة أصحابها. لكن المشكلة اليوم هي أخطر من ذلك. فإن كان الواقع اللبناني أفضل مما هو متوقع، فإن قراءة البعض السياسية أسوأ بكثير مما يجب. فالصراع الإقليمي القائم تحول من سياسي المشهد الى طائفي المشهد، ليجعل الأطراف المنقسمة في لبنان تصطف خلف حزب الله وتيار المستقبل. وبالتالي فإن وضوح وجهة حزب الله في محاربة الإرهاب، لا تشكل خطراً بل تُعد أساساً لحماية كل اللبنانيين دون إستثناء. فالعالم بأسره اليوم وبالتحديد الدول الأوروبية أعلنت حالات التأهب الأمني، لمواجهة الخطر التكفيري القادم الى بلاد الرفاهية، من ليبيا الى أوروبا، وذلك مروراً عبر البحر، حيث أن إيطاليا بوابته! ويقف البعض في لبنان محتاراً بين نسف رهاناته التي سقطت أصلاً، مع تراجع النفوذ الأمريكي وإنهيار السياسة السعودية الخليجية في سوريا من جهة، وبين إعلان عدائه لتنظيمات إرهابية يشكل سكوته عن أفعالها إقراراً خطيراً بها!

إن ما يقوم به حزب الله اليوم بالمنظور السياسي الإستراتيجي هو ما تقبله كل الدول التي وضعت القضاء على الإرهاب أولويتها اليوم. وبالتالي فإن صراع حزب الله يحظى بمضمون الشرعية الدولية. أما ما يقوم به أطرافٌ آخرون في سكوتهم عن محاربة الإرهاب، وإعلان عدائهم غير المباشر لحزب الله، يعني تغطيتهم الإرهاب علناً. فالموضوع اليوم أكبر من إختلافٍ على سياسة ثانوية أو رؤيةٍ تفصيلية، ليتعداها الى إختلافٍ على مسألةٍ تتعلق بالوجود. فإذا كان العدو واضح المعالم، معروف التوجهات، بحيث أن الجميع في العالم يؤمن بخطره، فهل يحتاج قرار القضاء عليه لأكثر من ذلك؟

لقد إستطاع حزب الله اللبناني، ترسيخ واقع حماية الأمن القومي اللبناني. وهو المقاومة التي عندما قارعت الكيان الإسرائيلي لم تنتظر أحداً. لذلك فإن قيامه اليوم بإستباق الزمن والأحداث ليس مستغرباً. لكن الحقيقة اليوم تقول، إنه بورك لمن لديه قوةٌ تدافع عنه في زمنٍ يكون فيه المرء رهين خياراته، وأعان الله قوماً يُقامر فيه زعماؤهم، حتى لو كان الثمن رؤوسهم.

 

الوقت- محمد علي جعفر