التحديث الاخير بتاريخ|السبت, أغسطس 24, 2019

العيدية تنمي شخصية الطفل الاقتصادية 

في الوقت الذي شكلت فيه (العيدية) عبئا لدى العديد من ذوي الدخل المتوسط والمحدود، مع اعترافهم بانها تقدم للارحام والاطفال كهدايا، يتهافت الأطفال للحصول عليها، اذ تشكل عندهم فرحا غامرا وتحقق احلامهم الوردية.
العيدية التي اعتبرها خبراء ومختصون فكرة جميلة لتعزيز الروابط الاجتماعية، تسهم في تنمية الشخصية الاقتصادية للطفل، من حيث جمع رأس المال والإدخار وصولا إلى الاستثمار.

العيديات؛ حكمها في الاسلام صلة رحم وصدقة إذا أُعطيت لمحتاجين، وتندرج في الفقه الإسلامي من باب الهدايا والهبات والعطايا، وهي من الأعمال المستحبة لما تتركه من أثر طيب في النفس.

يعرب، طفل عمره تسع أعوام، يفرح بالعيد، وفرحته تكبر مع اقتراب تحقيق حلمه بإنشاء ملعب بالتعاون مع أبناء عمومته، من خلال استثمار العيديات، ذلك أن الأرض التي سيقام عليها الملعب ترابية وبحاجة إلى (نجيل صناعي)، بمبلغ لا يقل عن 1500 دينار.

وتحلم شروق سامر ذات الثماني سنوات، بشراء دراجتها الصغيرة التي تحلم بها منذ سنوات، فيما ستعمل جاهدة بعد جمع العيدية على شراء ما تصبو إليه، وإعطاء المتبقي منه لأسرتها، لعل الله يفك ضيق الحال.

أستاذ الاقتصاد في جامعة اليرموك الدكتور نوح الشياب، قال إن عيدية الأطفال لها تأثير ثقافي واجتماعي، يقوي ويعزز الروابط الاجتماعية بين الاسرة وافراد المجتمع.

وتزداد قيمة العيد لدى الأطفال بالعيدية وتحصيلها من خلال زيارة الأقارب، ما يعزز الروابط بين الأسر وأفراد المجتمع، بحسب الشياب،مبينا أهمية الجانب الاقتصادي في العيدية؛ إذ تمكن الأطفال من شراء احتياجاتهم.

وأشار إلى أن للعيدية قيمة كبيرة في حياة الطفل؛ إذ يتم تعليمه جمع رأس المال والإدخار، وبالتالي التعرف إلى قيمة المال أثناء جمعه من الاهل والاقارب، لاستثماره فيما بعد بشراء ما يلزم. وبين أهمية العيدية في إنعاش الحركة الاقتصادية، موضحا انه كلما زاد الاستهلاك زاد الطلب على السلع، بما يزيد بالتالي من الانتاجية، في إطار الإنسجام مع الكثير من الاقتصاديات العالمية التي تحاول إيجاد أهداف اقتصادية تعزز الاستهلاك من خلال الشراء في المناسبات والاعياد ومختلف الاحتفالات.

ودعا الآباء إلى توعية الأطفال قبل العيد في كيفية التخطيط الجيد لجمع المال واستثماره، وعدم الإسراف في الإنفاق بطريقة عشوائية بعيدا عن الهدف المخطط له.

ويرى انه من الأفضل تعليم الطفل وتربيته على المسؤولية المجتمعية بإيجاد هدف جماعي بين أبناء الجيران أو أبناء الأقارب، مثل شراء أرجوحة كبيرة يلعب بها الجميع، أو إنشاء ملعب يمضون فيه وقت فراغهم، بما يعزز التعاون والتكافل الاجتماعي بين أفراد المجموعة في تحقيق هدف يعم خيره على الجميع.

وبين أن المشكلة التي تواجه شبابنا هو عدم الإلمام بالثقافة المالية وإدارة المال، وعلى الجهات المعنية والتربوية ووسائل الاعلام والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي التوعية بأهمية العيدية وكيفية توجيه الأطفال التوجيه السليم في استثمار المال، ذلك أن مرحلة الطفولة تبنى فيها شخصية الطفل المالية والاقتصادية والاجتماعية.

أستاذ الفقه والمصارف الإسلامية في الجامعة الأردنية الدكتور رائد نصري ابو مؤنس قال: للعيدية أصل شرعي، وردت من باب صلة الرحم، كما أنها تدخل من باب الصدقة لإعطائها للفقراء والمحتاجين.

وأضاف أنه لا مانع من اشراك النيتين، من باب صلة رحم، وإعطاء الفقراء منهم من باب نية الصدقة، ولا يصح اعتبارها صدقة إذا تم تقديمها لفئة الأغنياء.

وبين أن العيديات تندرج في الفقه الإسلامي من باب الهدايا والهبات والعطايا، وهي من الأعمال المستحبة لما تترك من أثر طيب في النفس، لقول الرسول الكريم:”تهادوا تحابوا”، مبينا أن المسلمين عبر التاريخ الاسلامي في عيدي الأضحى والفطر كانوا يقدمون هداياهم على شكل نقود، فاصطلح عليه التسمية بـ”العيديات”.

وبين أن الهدايا والعيديات تعطى للذكور والإناث دون التفرقة على أساس الجنس بل يراعى فيها سن المعطى اليه وحاجاته بغض النظر ما إذا كان ذكرا أم أنثى، وإذا تفاوت العمر فلا بأس من الزيادة بتزايد حاجات الناس، دون موازاة العيدية في إعطائها بالميراث.

وأشار إلى أنه من عناية الاسلام بالنساء أن العيديات تستمر وتزداد طوال العمر، لانها تندرج تحت بند صلة الرحم.

وأضاف انه من المعاني والحكم التي ينبغي على الأسر غرسها لدى أبنائها، هي كيفية التعامل الرشيد مع العيديات، فينبغي الاهتمام بتدريب الطفل على الإدخار بحيث لا يقوم بالإنفاق على أمور لا يحتاجها.

ودعا الى التكافل بين أفراد الأسرة بحيث يخصص ما يأتيها من عيديات لتلبية حاجات مشتركة لها، وفي حال كانت الأسرة أو العائلة من ذوي الدخل المادي الجيد، يمكن أن يكون المال أو هذه العيديات أساسا لاستثمار أو توفير مال ينفعهم في المستقبل.

وأوضح أن العيديات أو الهبات جاءت في سياق فكرة إعادة توزيع الثروة؛ فالإسلام يسعى لتوزيع الثروة بطريقة عادلة، واتبع في ذلك آليات مثل الزكاة الواجبة ومنها المستحب وهي العيديات.

وأضاف أن الذي يتم تقديمه من عيديات نقدية قياسا بعدد أفراد المجتمع، نجد أن مجموع المبالغ المنفقة للعيديات كبيرة ولا يستهان بها.

وأوضح انه إذا قام مليون رجل بإعطاء عيديات بقيمة عشرين دينارا، يكون المجموع في المحصلة عشرين مليون دينار، مبينا ان جزءا كبيرا من هذا المبلغ يذهب للفقراء، وذلك يدخل في إطار فلسفة الإسلام لتوزيع المال على الفقراء بشكل كريم على هيئة هدايا نقدية، وليس على شكل تفضلٍ أو منّه، إذ يتم مساعدة الفقراء والمرضى وكبار السن مع حفظ كرامتهم.

ونصح بعدم الاستدانة من أجل تقديم هذه الهبات، فالعيدية تعد من الأعمال التطوعية، وبالإمكان الاستعاضة عنها بهدايا عينية، بما هو ميسور في البيت من حلويات بيتية مثلا، وبما يحقق معنى العيدية دونما تكلفة، فالقاعدة في الإسلام تقول كما قال الله عز وجل في محكم آياته “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها”.

ودعا الشباب إلى الإبداع في أشكال العيديات وعدم الاقتصار على الشكل النقدي، مثل هدايا على شكل مجموعات كتب وقصص مثلا، وان يترك الخيال والإبداع في شكل العيدية التي تقدم للأحباء حسب متطلبات العمر بما يدخل الفرحة والبهجة في نفوسهم.

رئيس رابطة علماء الاردن الدكتور بسام العموش يرى أن العيدية تدخل في سياق باب العادات والتقاليد وتختلف من مجتمع إلى آخر، وهدفها إدخال الفرح والسرور في القلوب.

وبين ان العيدية تدخل في باب الصدقة، إذا كانت النية في ذلك إعطاء الفقير المال، ذلك قول الرسول الكريم”اللهم أعط منفقا خلفا”، والعيدية تأتي بحسب الاستطاعة، قال الله عز وجل”لينفق ذو سعة من سعته”، مشيرا إلى أنها تشكل لدى البعض عبئا، ما أدى إلى تقلص العلاقات.

واضاف ان البعض يضطر للاستدانة لغايات توزيع العيدية في العيد، مؤكدا ان ذلك يدخل من باب الإثم، ولا يأمره الدين بذلك، قال تعالى”لا يكلف الله نفسا إلا وسعها”، وقال تعالى “وما أنا من المتكلفين”.

وأشارت التربوية صفاء الشواربة، إلى ضرورة تعليم الطفل قيمة العيدية معنويا وماديا وكيفية الحصول عليها واستثمارها، مبينة أن العيدية تعلم الطفل معاني الصبر والجهد والتعب في الحصول على المال وتجميعه، كما تساعده في تعلم التخطيط الجيد في استثمار المال المدخر لشراء ما يحتاجه.

وبموازة الاسرة، لابد للمدرسة أن تعلم الطفل معنى الإدخار، بحيث يكون للطفل حصالة يجمع المال لهدف يريد تحقيقه، بحسب الشواربة.

وقالت اخصائية الطفولة المبكرة ناريمان عريقات إن العيدية تترك أثرا إيجابيا جميلا في ذاكرة الأطفال، وبغض النظر عن المبلغ الذي يحصل عليه الطفل، فلابد من ترك جزء من المال المدخر لغايات حرية التصرف والجزء الآخر يتبقى للتخطيط للمستقبل، وعلى الأهل مراقبة أبنائهم في صرف وإنفاق العيديات.

وأضافت أنه بالإمكان تعزيز المشاعر والتكافل الاجتماعي من خلال صيانة حديقة في الحي واصطحاب الفقراء لمطعم او مدينة ألعاب مثلا، فالمساهمة بإدخال الفرحة في نفوس الفقراء من العيدية المدخرة لدى الطفل بمساعدة والديه أمر مهم، إذ لا يقتصر العمل التطوعي على شهر رمضان المبارك.

ويبين خبراء أن من اتيكيت العيديات إعطاء العيدية حسب امكانيات الشخص ، وتعطى بطريقة لطيفة، وليست من باب الرياء والمنّه، وأن تكون ورقة العيدية جديدة ، يفرح فيها الطفل ،كما يمكن اعطاؤها على شكل عدد من العملات، بدلا من عملة نقدية واحدة وبخاصة للأطفال، ويفضل العيدية المقدمة للأم أو الزوجة أو الأخوات أن يتم تغليفها أو تعطى بداخل ظرف مفتوح، ويفضل اعطاء العيدية للموظفين أو العاملين قبل العيد .

يقول أستاذ علم الإجتماع في جامعة اليرموك الدكتور عبد الباسط العزام أن الأطفال الذين ينحدرون من أسر فقيرة أو متواضعة، تحكمهم علاقات تبادلية على أساس تحقيق المنافع والمكاسب ، ولكي يكون قادراً على إدراك العلاقات السببية في إدراك تعظيم المكاسب وتقليل الخسائر يكون بين مرحلة المرهقة وبداية سن الشباب، حيث يكون حينها قادر على التكيف في علاقات اجتماعية.

وبين أن دخول الطفل في تلك العلاقات الاجتماعية مع الاقارب، يعزز حساب معايير التكلفة من الحصول على المال نتيجة تفاعله مع الاخرين ومناورته واسِتمالة عواطفه معهم، في إطار علاقات المصالح والمنافع.

وأوضح ان الطفل يقدم الاحترام والتقدير والاعجاب والطرف الآخر يقدم المال، ويدخل في افتراضات تبادلية مفتوحة حول العلاقة الطردية بين قيمة المكافآة أو العيدية وبين الاحترام والتقدير، إذ ترتبط ذلك بافتراضات عقلانية ضمن حسابات واضحة بمعايير التكلفة أو النجاح في الحصول على العيديات.

وأشار إلى أن الطفل يدخل في إطار علاقات تفاعلية تبادلية إنسانية واضحة، فكلما كانت علاقته متوازنة مع الآخرين أدى إلى سلامة المجتمع، مبينأ أن استثمار العيدية في شراء ملابس أو كتب أو مستلزمات، أو مساعدة اسرته الفقيرة على شراء ما يلزم من احتياجات البيت أو في شراء دواء أو اعطائها للأخ الأكبر أو الأخت الكبرى، ما يؤدي إلى التخفيف من اختلال الوجود المادي من مأكل ومشرب، وما يخفف من التمزق الوجودي العاطفي نتيجة التوتر في عدم المقدرة على سداد المستلزمات أو الاحتياجات، وبهذا يكون الطفل قادر على حمل بذور ايجابية للمجتمع قائمة على العادات والتقاليد ومعاني الأخلاق الحميدة في التعاطف والتسامح والتعاون والتكافل الاجتماعي. أستاذ التاريخ الإسلامي في الجامعة الأردنية سابقا، ورئيس جمعية المؤرخين الأردنيين الدكتور محمد عبدالقادر خريسات، أشار إلى أنه في فقه اللغة فإن العيد من العادة، بمعنى أن الناس اعتادوا على عمل شيء معين في زمن معين، وتعنى كذلك الديمومة والاستمرارية، ومن هنا جاء اسم “العيد”.

وأضاف أن الشعراء اعتبروا بعلاقتهم وحبهم بأشياء موروثة من العادة التي ينبثق منها الشيء المفرح والآخر المحزن، مبينا أن الشعوب اتخذوا أياما معدودة في السنة ليعيدوا في تلك الأيام، وكان العرب قبل الاسلام تخصص شهر رجب من كل عام كعيد للنساء يقمن بالتزيّن فيه، أما الرجال فلهم عيد آخر ،إلا أن المصادر لم تذكر في أي وقت ذلك.

وبين أن الأعياد عند الشعوب تعني التغير في الأسلوب وكيفية قضاء يوم العيد، فيما اعتبر العرب أن الجزء الأكبر مخصص للأطفال، فيفرح الأطفال بقدوم العيد ولبس الجديد وانتظار الهدايا والعيديات، فالمال المعطى لهم من أروع العادات، التي تجعل الطفل محط اهتمام، كما ويشعر بقيمة وفرحة العيد.بترا

طباعة الخبر طباعة الخبر ارسال الخبر الى صديق ارسال الخبر الى صديق

اضافة تعليق