التحديث الاخير بتاريخ|الجمعة, نوفمبر 16, 2018

ما هي “المحرّمات” التي نجح ابن سلمان في كسرها؟ 

تشنّ السعوديّة منذ سبتمبر الماضي اعتقالات واسعة طالت كبار الأمراء والدعاة ورجال الأعمال، ورغم أن اعتقال الأمراء استحوذ على حصّة الأسد إعلامياً، إلا أن النصيب الأكبر من حملات الاعتقال طال الدعاة، حيث وثّق حساب معتقلي الرأي اعتقال 105 مواطنين، من الدعاة والنشطاء والأكاديميين والكتاب السعوديين خلال عام واحد.

ورغم انتماء شريحة واسعة منهم إلى ما يسمّى بـ”تيار الصحوة”، إلا أن الكثير من المعتقلين كانوا من “المطبّلين” للنظام السعودي في السنوات الفائتة، بل كانوا الحربة التي يستخدمها النظام في مواجهة أي محاولات لشقّ الطاعة، لكن ابن سلمان ومنذ صعوده إلى سلّم ولاية العهد يشنّ هجوماً عنيفاً على الدعاة والأمراء بل حتى رجال الأعمال، وكل من يمكن أن يشكّل ورقة قوّة أو ضغط في مواجهة قرارته.

حاول ولي العهد الجديد إقناع الشعب بالإصلاحات الاجتماعيّة والتحرّر وخلع الثوب السعودي “المتزمّت”، حيث كبّل الدعاة الذين انتهج بعضهم سياسة التسبيح بحمده، فيما لزم آخرون الصمت وأما من فكّر بالاعتراض فكان السجن بانتظاره، لاحقاً أوجس خيفة من الأمراء السعوديين، فشكّل هيئة مكافحة الفساد ونجح في التشفّي من جميع الأمراء في فندق الريتز.

بعيداً عن الوهم الذي باعه ابن سلمان للشعب السعودي عبر بوابة الإصلاحات الاقتصادية ورؤية 2030، وبصرف النظر عن الفشل العسكري في العدوان على اليمن والذيّ كلّف البلاد والعباد فاتورة هي الأقسى منذ تأسيس السعودية، لا بدّ من الإشارة إلى جوانب أخرى في تجربة ابن سلمان وكسره لقواعد ومحرّمات كانت راسخة وثابتة، نذكر منها:

أوّلاً: نجح ابن سلمان في كسر شوكة أمراء آل سعود التي ترسّخت منذ ولادة الدولة السعوديّة الثالثة بداية القرن الماضي، فقد شكّلت مجزرة الأمراء أرضية خصبة لتعذيب الأمراء السعوديين على أيدي ضباط ابن سلمان الذين استخدموا حربته في اعتقال أمراء الصفّ الأول، بعد أن كان محرّماً في السابق على رؤساء هؤلاء الضباط الإشارة إلى أمير من الدرجة الثالثة، فكيف باعتقال وتعذيب وإذلال أمير من الدرجة الأولى؟

ثانياً: جانب آخر كرّسه ابن سلمان اليوم يتعلّق بكسر الشوكة الوهابيّة التي ذاق الشعب السعودي مراراتها طول قرون مضت، وفي الحقيقة، لا يريد ابن سلمان إنهاء دور هذه الحركة التي قدّمت للعائلة السعوديّة الحاكمة الكثير على صعيدي الداخل والخارج، بل يريد تكبيلها داخلياً خشية التواطؤ مع أي فريق من الأمراء يخرج على سلطان “ولي العهد”، كون هذا التواطؤ سيؤدي إلى وقوف جزء من الشعب في وجه ابن سلمان الذي فشل في تحقيق وعوده الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

ثالثاً: ولكن من غير الصواب حصر الدعاة المعتقلين بالحركة الوهابيّة، بل إن الجزء الأكثر شهرة منهم هم من أتباع تيار الصحوة الذي يبدي آراءه السياسيّة، بخلاف ما يهوى السلطان، إن هذا التيار هو الأخطر في أجندة ولي العهد نظراً لإمكانيّة ارتباطه مع تيارات تعادي سياسيات ابن سلمان الإقليمية، باتت حركة هؤلاء من أشدّ المحرّمات في القاموس السعودي، حيث يتعرّض كل شخص يبدي أي تعاطف ولو كان إنسانياً مع هؤلاء الدعاة إلى الاعتقال الفوري.

رابعاً: ربما سمح ابن سلمان ببعض الحريات كقيادة المرأة للسيارة أو غيرها من الحريات المقيّدة، ولكن ماذا عن الحريات الأخرى؟ على سبيل المثال لا الحصر، توضح منظمة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية الدوليّة أن سبب اعتقال الداعية السعودي سلمان العودة يعود لرفضه إملاءات سلطات بلاده بكتابة تغريدة تؤيد حصار قطر، وقيامه بكتابة تغريدة تدعو لإصلاح العلاقات الخليجية.

حساب حقل الاعتقالات، لم يكن كحساب بيدر ابن سلمان، الاعتراضات لم تهدأ أبداً، بل ترتفع شيئاً فشيئاً الأمر الذي تسبّب بأزمة دبلوماسيّة غير مسبوقة مع كندا، واعتراضات أخرى بسبب الجرائم بحقّ أطفال الشعب اليمني، وبين هذا وذاك يبقى مشروع ابن سلمان معلّقاً دون تحقيق أهدافه المرجوّة تزامناً مع ارتفاع وتيرة حلقات الإعدام، نعم، ما حقّقه ابن سلمان اليوم هو كسره للهيبة التي كان يتمتّع بها الأمراء السعوديون خلال العقود السابقة، وما حقّقه أيضاً أنه كسر شوكة الوهابية في المجتمع، رغم أن اضمحلالها يحتاج إلى وقت ليس بالقصير، هذه الأمور بشكل أو بآخر تؤكد ما ذكرته مجلّة نيوز ويك الأمريكية أن النظام السعودي يعاني من مخاطر الانهيار البطيء في ظل ولي العهد محمد بن سلمان، بل ربّما يحصل ما توقّعته صحيفة التايمز البريطانيّة في عددها الأخير أن “أيام ابن سلمان باتت معدودة”.

في الخلاصة، المشهد السعودي ليس على ما يرام بالنسبة لابن سلمان، وأي فتوى تطول ولي العهد كتلك التي طالت الرئيس التركي أردوغان من منظر تيار السلفية الجهادية أبو محمد المقدسي، ستجعل ولي العهد السعودي في وضع لا يحسد عليه، الجميع يخسر في السعوديّة حتى أولئك الذين نجحوا في الفرار إلى خارج المملكة أمثال الكاتب السعودي جمال الخاشقجي. ربّما ربحوا حريّتهم، إلا أنّهم قد خسروا وطنهم إلى أجل غير مسمّى، ولكن بعضهم قد يقول “إلى ذلك الحين يموت الملك أو يموت جحا أو يسقط النظام الحاكم”!
المصدر / الوقت

طباعة الخبر طباعة الخبر ارسال الخبر الى صديق ارسال الخبر الى صديق

اضافة تعليق